الرجال قوامون على النساء
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد:
لما منح الله الرجل ما منحه من عقل أكمل من عقل المرأة، وعلم أغزر من علمها غالباً، وبعد نظر في مبادئ الأمور ونهاياتها أبعد من نظرها. كان من المناسب والحكمة أن يكون هو صاحب القوامة عليها.
والقوامة معناها: القيام على الشيء رعاية وحماية وإصلاحاً. قال تعالى: (الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم) [النساء:.
وقد ذكر المولى عز وجل لهذه القوامة سببين اثنين أولهما: وهبي.
وثانيهما: كسبي.
أما الأول منهما: فهو ما أشار إليه قوله تعالى: ( بما فضل الله بعضهم على بعض) أي بتفضيل الله الرجال على النساء، من كونه جعل منهم الأنبياء والخلفاء والسلاطين والحكام والغزاة، وزيادة التعصيب والنصيب في الميراث، وجعل الطلاق بأيديهم، والانتساب إليهم، وغير ذلك مما فضل الله به جنس الرجال على جنس النساء في الجملة.
والسبب الثاني في جعل القوامة للرجل على المرأة هو: ما أنفقه عليها، وما دفعه إليها من مهر، وما يتكلفه من نفقة في الجهاد، وما يلزمه في العقل والدية، وغير ذلك مما لم تكن المرأة ملزمة به، وقد أشار إليه في الآية بقوله (وبما أنفقوا من أموالهم).
وإذا تخلى الرجل عن ميزته التي ميزه الله تعالى بها فلم ينفق على امرأته، ولم يكسها، فإن ذلك يسلبه حق القوامة عليها، ويعطيها هي الحق في القيام بفسخ النكاح بالوسائل المشروعة، هذا هو ما يقتضيه تعليل القوامة في الآية الكريمة بالإنفاق، وهو ما فهمه منها المالكية والشافعية.
هذا، ومما يجب التنبه له أن تفضيل الرجال على النساء المذكور في الآية الكريمة المراد منه تفضيل جنس الرجال على جنس النساء، وليس المراد منه تفضيل جميع أفراد الرجال على جميع أفراد النساء، وإلا فكم من امرأة تفضل زوجها في العلم والدين والعمل والرأي وغير ذلك.
وقال الشاعر: فلو كان النساء كمن ذكرنا لفضلت النساء على الرجال
وهذه النكتة التي نبهنا عليها هي واحدة من بين نكت ذكر علماء البلاغة أن الإشارة إليها هي السر في عدول النظم القرآني إلى التعبير بقوله: (بعضهم على بعضهم) ولم يقل: بتفضيلهم عليهن، أو بتفضيله إياهم عليهن، مع أن ما عدل عنه أخصر وأوجز، ولكن عدل عنه لحكم جليلة، ونكت بلاغية يرى المطلعون عليها أن الآية في نهاية الإيجاز والإعجاز، ومن أراد الاطلاع على المزيد فعليه بكتب التفاسير عند الآية الكريمة: (الرجال قوامون على النساء..) [النساء: 34]. والله أعلم.
قال -تعالى-: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ)،
يبيِّن الله -عزَّ وجلَّ- في هذه الآية الكريمة أنَّ الرجلَ هو رئيس المرأةِ وحاكمها وهو الذي يقوم بتأديبها إن هي أخطأت واعوجت؛ لأنَّ الرجل أفضلَ من المرأةِ، وله الفضلُ والإفضال عليها بما أوجبه الله -عزَّ وجلَّ- لها من مال الرجلِ، مثل: النفقةِ، والمهورِ، وغيرها
ذُكر في سبب نزول هذه الآية الكريمة أنَّ رجلًا لطمَ وجه زوجته، فشكت هذه الزوجةَ لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- فدعاه النبيِّ ليقتصَّ منه، فنزلت هذه الآيةِ الكريمة،[٣] وقد رُوي سبب نزول هذه الآية عن الحسن البصري بإسنادٍ ضعيف، حيث قال: "أنَّ رجلًا لطم وجهَ امرأتِه فأتت النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فشكت إليهِ فقال : القصاصُ فنزلت الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ فتركَه
تعرّف القوامة لغةً؛ بأنها القيام بالأمور أو المال، كما أنها تعرف بولاية الأمر، ويطلق على من يُحسن القيام بالأمور قوّام،[٥] وتعرّف القوامة؛ اصطلاحاً بذات التعريف اللغوي، ويُضاف بأن القوامة من كلمة قوم، والقوم هم المجموعة من الناس الذين يجمعهم أمر ما ليفعلوه، وكذلك قوم الرجل هم أقاربه من عصباته، ومن يتبعهم بمنزلتهم من الرجال فقط، وبناءً على ذلك فيشترط في القوامة القوة البدنية أو المالية.
إنَّ القوامةَ حقٌ خالص للرجلِ دون المرأةِ، ولا يُمكن أن تكونَ المرأةَ قيِّمةً على زوجها، وإن حصل وأنفقت عليه وعلى بيته وأولاده، فإنَّ ذلك لا يُعطيها حقَّ القوامةَ ولا يحرم زوجها من حقِّه في القوامةَ عليها؛ إذ أنَّ المال الذي تنفقه هي يعدُّ من باب الإحسان منها لا أكثر،[٧] لقوله -تعالى-: (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً ۚ فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا).
ومن الأدلة الشرعية التي تؤكد أحقيةَ الرجل في القوامة غير الآيةِ الرابعة والثلاثون من سورة النساء أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (إذا صلَّت المرأةُ خمسَها وصامت شهرَها وحفِظت فرجَها وأطاعت زوجَها قيل لها ادخُلي الجنَّةَ من أيِّ أبوابِ الجنَّةِ شئتِ)، حيث جعل طاعةَ الزوجةِ لزوجها سببًا من أسباب دخول الجنة.
إذا لم يؤدِّ الرجل ما كلّفه به الله تعالى من الأمور المتعلّقة بالقوامة من نفقة وكساء، فإنّ الحق في القوامة يُسلب منه، ويحق المرأة فسخ النكاح بالوسائل التي شرعها الإسلام، حيث إنّ القوامة في الآية القرآنية اشترطت بالإنفاق، وذلك ما نصّ عليه كلٌ من الشافعية والمالكية.
ومن الجدير بالذكر أنّ تفضيل الرجل على المرأة بالقوامة لا تعدّ قاعدةً عامةً شاملة للكلّ على حدٍ سواء، فتوجد العديد من النساء اللاتي يتفوقّن على أزواجهن بالعلم، والدين، والعمل، والرأي وغير ذلك من الأمور، وما يدلّ على ذلك الآية القرآنية التي خصّت تفضيل بعض الرجال دون تفضيل جميعهم، حيث قال الله تعالى: (بِمَا فَضَّلَ اللَّـهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ).
تتمثّل القوامة الزوجية بالعديد من الضوابط التي بيّنها العلماء، فالإسلام أوجب على الزوج أداء عدد من الواجبات، منها: المهر، وهو المال الواجب على الرجل للمرأة بالعقد عليها أو بالوطء، حيث قال الله تعالى: (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا)، كما أنّ العلماء أجمعوا على وجوب المهر للزوجة، فالحكمة منه توثيق الزواج الذي يعدّ من أهم العقود وأخطرها، كما أنه يدل على صدق الرجل ورغبته في الزواج والارتباط بالفتاة، ومن الواجبات المقرّرة على الزوج النفقة، حيث إنها تجب بمجرّد إتمام عقد النكاح، وتمكّن الزوج من الاستمتاع بزوجته، حيث قال الله تعالى: (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا).
