فتن آخر الزمان... بين تقديم الرأي وحكم الشرع
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
إخوتي وأحبتي في الله، قبل أن نبدأ في هذا الموضوع، لا تنسوا دعم القناة بلايك ونشر الفيديوهات، وهذا يشجعنا على نشر المزيد من الفيديوهات.
حديثنا اليوم سيكون عن فتنة من فتن آخر الزمان التي نعيشها في زماننا هذا. ففي قسم التعليقات أحيانًا، نجد جدالًا بين بعض الإخوة الذين يعتقدون مثلًا أننا في زمن خروج المهدي، وهو من سوف يقيم الخلافة التي تكون ببيت المقدس، وهو من سوف يحرر فلسطين إلى أن ندخل علامات الساعة الكبرى. وكأنه يقول لك إن الخلافة التي سوف تكون ببيت المقدس ستكون مدتها سبع سنين أو ثماني سنين أو تسع سنين. ويجادلهم البعض الذين يقولون إن الخلافة لن تكون أبدًا مدتها سبع سنين، بل سوف تكون أكثر من ذلك. ودليلهم أن الخلافة الأولى كانت فيها خمسة خلفاء وكانت مدتها 30 سنة. فمن غير المنطقي أن تكون خلافة بيت المقدس مدتها سبع سنين. لماذا؟ لأن المهدي معلوم في أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام أنه من يدفعها إلى عيسى، والمهدي هو من سوف يعاصر الأمور العظام وعلامات الساعة الكبرى. وقد دلّ في أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام أنه بعد خلافة بيت المقدس ستكون البلابل والزلازل. والبلابل هي الفتن والهموم. وبما أن في هذا الحديث الصحيح يقول بعد الخلافة سوف تكون فتنة، إذًا الخلافة لن يقيمها المهدي، بل سوف يكون بعد الفتنة التي سوف تكون بعد الخلافة التي تكون ببيت المقدس. لهذا يكون قبل المهدي خلفاء أو مهديون يمهدون للمهدي سلطانه، لأن المهدي عليه السلام هو علامة من علامات الساعة الكبرى، لأنه سوف يعاصر خروج الدجال ونزول عيسى عليه السلام وغيرها من علامات الساعة الكبرى التي تدل على قرب قيام الساعة.
التحذير من المروجين لأقوال الكهان والعرافين
وأكثر من يروج لمسألة خروج المهدي وفتحه لبيت المقدس وقيامه لخلافة تكون ببيت المقدس وتكون على منهاج النبوة، هم بعض اليوتيوبرز الذين يتحدثون على قنوات اليوتيوب. ويؤسفني أن أكثرهم يأتون بأي شيء، حتى بعض الفيديوهات يأتيك ببعض الفيديوهات مثلًا لـ ليلى عبد اللطيف وأمثالها من المشعوذين والدجالين والكذابين. فكيف لي أنا كمسلم سني أن أتبع هؤلاء وهم يحدثون الناس بدجل وعرافة؟ وكيف آخذ ديني من هؤلاء الذين يأخذون الكلام من العرافين والدجالين؟ وكيف أتبع هؤلاء وعندي حديث عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال:
«مَنْ أَتَى كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»
رواه أبو داود. وللأربعة والحاكم وقال: صحيح على شرطهما عن أبي هريرة:
«مَنْ أَتَى عَرَّافًا أَوْ كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»
وهذه من المصائب التي تعيشها أمتنا في زماننا؛ كثر هؤلاء المروجون والكذابون والدجالون والمشعوذون يحدثون الناس بأقوال من عرافات ودجالين، ويأتيك من الأحاديث الجفرية والمنامات والخزعبلات.
أسباب الوقوع في الفتنة: الاستعداد والسعي
فسبحان الله، من أول أسباب الوقوع في الفتنة هو الاستعداد - استعداد القلب - لقبولها، كما قال في حديث النبي عليه الصلاة والسلام:
«تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَتْ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ...»
وكذلك قبول السعي فيها، أن تقبل أن تسعى إلى هذه الفتنة. فأنت عندما تشاهد هؤلاء الأشخاص وهو يأتيك بكلام من عرافة ودجال، فأنت تسعى إلى هذا. فقبول السعي فيها. ففي الصحيح قال النبي عليه الصلاة والسلام:
«المَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي، ومَنْ تَشَرَّفَ لَهَا تَسْتَشْرِفْهُ»
أي من تطلع لها صرعته. فهذه هي المصيبة، حتى الناس الذين يقعون في الفتنة هم درجات فيها: الماشي الذي يمشي لهذه الفتنة، وفيها الساعي الذي يسعى إلى هذه الفتنة، وهذه مصيبة.
أخطر ما يقود إلى الفتن: تقديم الرأي على الشرع
وأشد ما يؤجج الفتن هو الخوض بالألسنة. يقول القرطبي في تعليل أسباب كثيرة من الفتن: "إنها تبدأ بالكذب عند أئمة الجور ونقل الأخبار إليهم، فربما ينشأ من ذلك الغضب والقتل أكثر مما ينشأ من وقوع الفتنة نفسها". ومصيبة يا إخوان ما يقود إلى الفتن هو تقديم الرأي على حكم الشرع، أن تقدم رأيك على حكم الشرع. فهؤلاء الذين يجادلون في قسم التعليقات أكثرهم يقدمون رأيهم. فـ أنت تعطيهم مثلًا حديثًا صحيحًا دالًا يثبت على صحة ما تقول، وهو لا يجيبك بحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام أو بدليل، بل يجيبك برأي يعتقده أو باعتقاد يعتقده. وهذا أخطر ما يقود إلى الفتن، الذي هو تقديم الرأي على حكم الشرع. فقد جاء في صحيح البخاري أن سهل بن حنيف قال:
«يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّهِمُوا رَأْيَكُمْ عَلَى دِينِكُمْ»
فكيف لشخص أن يؤتيك بحديث صحيح وارد عن النبي عليه الصلاة والسلام وواضح كل الوضوح أنه يقول بعد أن تكون هناك خلافة ببيت المقدس ستكون هناك الزلازل والبلابل والأمور العظام؟ الأمور العظام هي علامات الساعة الكبرى، الزلازل هي من علامات الساعة، البلابل هي الفتن والهموم. فكيف تكون بعد المهدي فتن وهموم والواضح أنه إذا خرج المهدي عليه السلام دخلنا علامات الساعة الكبرى ومن بينها خروج الدجال ونزول عيسى عليه السلام وغير ذلك؟
الفتنة تلاحق من يفر منها وترك الجهاد سبب لزرع العداوة
وقد يكون الإنسان يفر من الفتنة فيلاحقه أهلها، أنت تفر وأهلها يلاحقونك وأنت كاره للخوض فيها، كما ورد عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: "إن قدتَنا قادوك، وإن تركتهم لم يتركوك، وإن هربت منهم أدركوك". وهذه مصائب نعيشها في زماننا.
وكذلك من بين الأمور المهمة هو أنك إذا انشغلت بالقول عن العمل، انشغلت بالقول عن العمل كثيرًا ما يفضي إلى كثير من الفتن والمشاكل. يقول ابن تيمية رحمه الله: «فإذا ترك الناس الجهاد في سبيل الله فقد يبتليهم بأن يوقع بينهم العداوة حتى تقع بينهم الفتنة» كما هو واقع للأسف في زماننا، لماذا؟ لأن الناس تركت الجهاد. فإذا ترك الناس الجهاد في سبيل الله، فقد يبتليهم الله سبحانه وتعالى بأن يوقع بينهم العداوة حتى تقع بينهم الفتنة كما نشهدها في زمننا واقتتال المسلمين فيما بينهم.
وفي الحديث مثلًا، الحديث الذي يسأل فيه حذيفة عن الشر قال: يا رسول الله، هدنة على دخن، ما هي؟ قال: «لاَ تَرْجِعُ قُلُوبُ أَقْوَامٍ عَلَى الَّذِي كَانَتْ عَلَيْهِ». يعني لا ترجع القلوب كما كانت سابقًا. يقول الشارح: أي لا تكون قلوبهم صافية عن الحقد والبغض كما كانت صافية قبل ذلك. تتغير القلوب. ترى الرجل العاقل ولا تدري أين ذهب عقله في حال وقوع الفتنة. ينقل ابن حجر حديثًا لابن أبي شيبة في الفتن: "ثم فتنة تموج كموج البحر وهي التي يصبح الناس فيها كالبهائم"، أي لا عقول لهم، ويؤيده ذلك حديث أبي موسى: «تَذْهَبُ عُقُولُ أَكْثَرِ ذَلِكَ الزَّمَانِ».
فسبحان الله، أنت تحدثه بحديث وحديث صحيح وثابت وواضح وبين ومع ذلك يرجح عقله وعقل من يستمع إليه ويدل له.
ضرورة البحث والتحري عن الحقيقة
فيا إخوتي، أنا دائمًا ما أحذر من هؤلاء. دائمًا عندما نستمع لأشخاص يحدثوننا في أمور ديننا، لا نأخذ من كلام شخص معين أو شخص واحد. دائمًا ما ننوع في الاستماع، نستمع لهذا ونستمع لهذا، ونرى إذا كان هناك توافق أخذنا به، وإذا كان هناك اختلاف في الرأي، لا بأس أن نكلف أنفسنا في البحث. فمسألة البحث الآن في زماننا سهلة، يستطيع أي شخص أن يتبين ويستبين الحقيقة ويعرف الحق من الباطل. فدائمًا يجب علينا أن نعوّد أنفسنا لكي نبحث عن الحقيقة ولا نتهاون في هذه المسألة، لأن هذه مسائل تتعلق بالدين، ممكن أن تؤدي بك وأخذك برأيك هذا إلى الوقوع في الفتن في المستقبل، كما هو بيّن وظاهر في أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام أنها ما زالت هناك فتن عظيمة سوف تكون في المستقبل القريب. لهذا دائمًا يجب علينا أن نعود أنفسنا من الآن أن نبحث عن الحقيقة ونستعد لهذه الفتن التي سوف تقبل على المسلمين. نسأل الله العفو والعافية.
ونكتفي إخوتي بهذا القدر، كما لا تنسوا دعم القناة بلايكات ونشر الفيديوهات، فهذا يساهم في نشر القناة. وبارك الله فيكم وإلى الملتقى في موضوع آخر، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.