النجاة من الفتن | rescue from temptations

النجاة من الفتن
 

التمهيد والتعريف بالفتن:

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أعزائي الحضور، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

اليوم، سنتحدث عن موضوع مهم وملح في حياتنا، وهو "النجاة من الفتن". ولكي نفهم هذا الموضوع بشكل أعمق، يجب أولاً أن نتعرف على مفهوم الفتن وما تعنيه في الإسلام.


تعريف الفتن:

الفِتن جمع فتنة، وهي في اللغة: الابتلاء والامتحان والاختبار. وقد تأتي بمعنى الإغراء والشدة والاضطراب.

أما في الاصطلاح الشرعي، فالفتنة تشمل كل ما يُضل الإنسان عن دينه أو يضعف إيمانه. وتكون الفتنة ابتلاءً من الله ليمتحن بها عباده، فتُظهر المؤمن من المنافق، والصادق من الكاذب.

قال الله تعالى:
"الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2)" (العنكبوت: 1-2).
"وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ" (الأنبياء: 35).

أنواع الفتن:

يمكن تقسيم الفتن إلى عدة أنواع، منها:

فتنة الدين:

مثل الفتن التي تتعلق بالشبهات والشهوات التي تضل الإنسان عن دينه.
مثال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعرض من الدنيا" (رواه مسلم).

فتنة الدنيا:

مثل فتنة المال والجاه والسلطة، وكل ما يغري الإنسان من أمور الدنيا.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لكل أمة فتنة، وفتنة أمتي المال" (رواه الترمذي).

فتنة الشهوات:

مثل الفتن المتعلقة بالشهوات الحسية كالجنس والطعام والملذات.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء" (رواه البخاري ومسلم).

خطورة الفتن:

الفتن تضعف الإيمان وتبعد الإنسان عن الله.
الفتن يمكن أن تقود إلى الكفر والضلال.
الفتن تسبب الشقاق والفرقة بين المسلمين.

أمثلة من الأحاديث والآيات:

قوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ" (التوبة: 119).
حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: "تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا، فأي قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير على قلبين: على أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مربادا كالكوز مجخيا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه" (رواه مسلم).

بهذا نكون قد مهدنا للموضوع وحددنا ما نعنيه بالفتن، ليكون أساسًا لبقية حديثنا اليوم عن كيفية النجاة منها. نسأل الله أن يثبتنا على الحق، ويعصمنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن.
والآن ننتقل إلى كيفية الوقاية من الفتن وكيفية التعامل معها في حياتنا اليومية...

كيفية الوقاية من الفتن وكيفية التعامل معها في حياتنا اليومية:

بعد أن تعرفنا على مفهوم الفتن وأنواعها، ننتقل الآن إلى الجانب العملي وهو كيفية الوقاية من الفتن والتعامل معها في حياتنا اليومية. يمكن تلخيص ذلك في عدة خطوات:


1. تقوية الإيمان:

تقوية الإيمان هو الأساس في مواجهة الفتن. فكلما كان إيمان الإنسان قويًا، كان أقدر على الثبات في مواجهة الفتن.

المواظبة على الصلاة: الصلاة هي عماد الدين، وأول ما يُسأل عنه العبد يوم القيامة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله الصلاة" (رواه الترمذي).
قراءة القرآن والتدبر فيه: القرآن هو النور الذي يضيء لنا طريق الحق. قال الله تعالى: "إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ" (الإسراء: 9).
الذكر والدعاء: المواظبة على الأذكار والدعاء تحصن المسلم من الشيطان وأعوانه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، في يوم مائة مرة، كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزًا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي" (رواه البخاري).

2. طلب العلم الشرعي:

العلم هو السلاح الذي يميز به المسلم بين الحق والباطل. بالعلم يتعرف الإنسان على الأحكام الشرعية، ويستطيع أن يفرق بين الحلال والحرام.

التعلم من العلماء الثقات: الحرص على التعلم من مصادر موثوقة والابتعاد عن المشبوهة.
المشاركة في الدروس والمحاضرات: سواء كانت في المساجد أو عبر وسائل الإعلام الموثوقة.

3. الابتعاد عن مواطن الفتن:

الابتعاد عن الأماكن والأشخاص الذين يمكن أن يكونوا مصدرًا للفتنة هو جزء أساسي من الوقاية.

تجنب الصحبة السيئة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل" (رواه الترمذي).
البعد عن الأماكن المشبوهة: كالنوادي الليلية والأماكن التي تشجع على المعاصي.

4. الاستقامة على الطاعة:

الاستقامة على طاعة الله تجعل الإنسان في مأمن من الفتن.

الصيام: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء" (رواه البخاري).
التواضع والورع: التحلي بالأخلاق الإسلامية والورع عن الشبهات.

5. الاستعانة بالدعاء:

الدعاء هو سلاح المؤمن في كل الأوقات، وخاصة في مواجهة الفتن.

دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك" (رواه مسلم).
الاستغفار: الإكثار من الاستغفار يجلب الرحمة والمغفرة من الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لزم الاستغفار جعل الله له من كل ضيق مخرجًا ومن كل هم فرجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب" (رواه أبو داود).

6. الاعتبار والتذكر بأحوال السابقين:

الاستفادة من قصص الأنبياء والصحابة والتابعين في كيفية مواجهتهم للفتن تعطي الدروس والعبر.

قصص الأنبياء: مثل قصة يوسف عليه السلام وابتلائه بفتنة امرأة العزيز.
مواقف الصحابة: مثل موقف أبو بكر الصديق رضي الله عنه في الثبات على الحق بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.

الختام:

في ختام هذا الموضوع، نؤكد أن الفتن جزء من ابتلاءات الحياة التي لا مفر منها، ولكن بالتمسك بالدين والاعتصام بحبل الله، يمكننا النجاة منها. نسأل الله تعالى أن يثبتنا على الحق، ويعصمنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن، إنه سميع مجيب.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.