![]() |
| يونس عليه السلام |
قصة يونس عليه السلام
قوم يونس قيل في نسب يونس عليه السلام:
إنّه يونس بن متّى، ثمّ يتصل نسبه بنسل بنيامين شقيق يوسف عليه السلام، بُعث يونس عليه السلام إلى نينوى، في العراق، إلى قومٍ انتشر الشرك بينهم؛ فكانوا يعبدون الأصنام، فأوحى إليهم يونس وأرشدهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، إلا أنّهم كذّبوه، وكفروا برسالته، وأصرّوا على عبادة أصنامهم وأوثانهم، وكان من بينها صنم أكبر يُدعى: عشتار، وقد قيل: إنّ دعوة يونس عليه السلام لقومه استمرت ثلاثاً وثلاثين سنة، إلّا أنّه لم يؤمن معه سوى رجلين، ولذلك شعر يونس عليه السلام باليأس من قومه، فتركهم وخرج من بلدتهم.
خرج يونس عليه السلام من نينوى، وظنّ أنّ الله تعالى لن يؤاخذه بهذا الخروج لأنّه قدّم كلّ ما عليه في سبيل دعوة قومه، ولم يستجب أحد، وحين خرج بدأ يحلّ على قومه بوادر العذاب الذي توعّدهم فيه، فهلّت السُّحب السوداء، وغشيهم دخانها، واسودّت سطوحهم، فأيقن القوم أنّ عذاب الله تعالى آتٍ لا مفرّ منه، فخافوا ووجِلوا، وبحثوا عن يونس عليه السلام ليهديهم طريقة التوبة والإنابة فلم يجدوه، فأتوا رجلاً شيخاً فسألوه عمّا يجب فعله، فأرشدهم إلى طريق التوبة إلى الله تعالى، فجمعوا كبيرهم وصغيرهم، وذكرهم وأنثاهم، وحيواناتهم جميعاً، ثمّ جعلوا على رؤوسهم الرماد، ولبسوا المسوح من اللباس تواضعاً لله سبحانه، ثمّ أقبلوا عليه في هذا الحال في مشهدٍ عظيمٍ، ضارعين له أن يصرف عنهم العذاب، ويتوب عليهم، فتاب الله تعالى عليهم، وقبل إيمانهم بعد كلّ هذا الكفر والعِناد، ولم يشهد يونس عليه السلام هذا الحال منهم.
أما السفينة التي ركبها يونس، فقد هاج بها البحر، وارتفع من حولها الموج. وكان هذا علامة عند القوم بأن من بين الركاب راكباً مغضوباً عليه لأنه ارتكب خطيئة. وأنه لا بد أن يلقى في الماء لتنجو السفينة من الغرق. فاقترعوا على من يلقونه من السفينة . فخرج سهم يونس -وكان معروفاً عندهم بالصلاح- فأعادوا القرعة، فخرج سهمه ثانية، فأعادواها ثالثة، ولكن سهمه خرج بشكل أكيد فألقوه في البحر أو ألقى هو نفسه.
فالتقمه الحوت لأنه تخلى عن المهمة التي أرسله الله بها, وترك قومه مغاضباً قبل أن يأذن الله له. وأحى الله للحوت أن لا يخدش ليونس لحما ولا يكسر له عظما. واختلف المفسرون في مدة بقاء يونس في بطن الحوت، فمنهم من قال أن الحوت التقمه عند الضحى، وأخرجه عند العشاء. ومنهم من قال انه لبث في بطنه ثلاثة أيام، ومنهم من قال سبعة.
عندما أحس بالضيق في بطن الحوت، في الظلمات ظلمة الحوت، وظلمة البحر، وظلمة الليل سبح الله واستغفره وذكر أنه كان من الظالمين. وقال: (لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ).
فسمع الله دعاءه واستجاب له. فلفظه الحوت. (فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون). وقد خرج من بطن الحوت سقيماً عارياً على الشاطىء. وأنبت الله عليه شجرة القرع. قال بعض العلماء في إنبات القرع عليه حِكَم جمة. منها أن ورقه في غاية النعومة وكثير وظليل ولا يقربه ذباب، ويؤكل ثمره من أول طلوعه إلى آخره نياً ومطبوخاً، وبقشره وببزره أيضاً. وكان هذا من تدبير الله ولطفه. وفيه نفع كثير وتقوية للدماغ وغير ذلك. فلما استكمل عافيته رده الله إلى قومه الذين تركهم مغاضباً.
لقد وردت أحاديث كثيرة عن فضل يونس عليه السلام، منها قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى" وقوله عليه الصلاة والسلام: "من قال أنا خير من يونس بن متى فقد كذب".
نريد الآن أن ننظر فيما يسميه العلماء ذنب يونس. هل ارتكب يونس ذنبا بالمعنى الحقيقي للذنب؟ وهل يذنب الأنبياء. الجواب أن الأنبياء معصومون غير أن هذه العصمة لا تعني أنهم لا يرتكبون أشياء هي عند الله أمور تستوجب العتاب. المسألة نسبية إذن.
يقول العارفون بالله: إن حسنات الأبرار سيئات المقربين.. وهذا صحيح. فلننظر إلى فرار يونس من قريته الجاحدة المعاندة. لو صدر هذا التصرف من أي إنسان صالح غير يونس لكان ذلك منه حسنة يثاب عليها. فهو قد فر بدينه من قوم مجرمين.
ولكن يونس نبي أرسله الله إليهم.. والمفروض أن يبلغ عن الله ولا يعبأ بنهاية التبليغ أو ينتظر نتائج الدعوة.. ليس عليه إلا البلاغ.
خروجه من القرية إذن.. في ميزان الأنبياء أمر يستوجب تعليم الله تعالى له وعقابه.
إن الله يلقن يونس درسا في الدعوة إليه، ليدعو النبي إلى الله فقط. هذه حدود مهمته وليس عليه أن يتجاوزها ببصره أو قلبه ثم يحزن لأن قومه لا يؤمنون.
ولقد خرج يونس بغير إذن فانظر ماذا وقع لقومه. لقد آمنوا به بعد خروجه.. ولو أنه مكث فيهم لأدرك ذلك وعرفه واطمأن قلبه وذهب غضبه.. غير أنه كان متسرعا.. وليس تسرعه هذا سوى فيض في رغبته أن يؤمن الناس، وإنما اندفع إلى الخروج كراهية لهم لعدم إيمانهم.. فعاقبه الله وعلمه أن على النبي أن يدعو لله فحسب. والله يهدي من يشاء
فوائد من قصة يونس عليه السلام
هناك العديد من الفوائد التي يُمكن أن يستخلصها الدّاعية لله تعالى من قصة دعوة يونس عليه السلام لقومه، منها:
عدم الاستعجال حيث قال الله تعالى: (وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ*فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ)، ففي هذا إشارة أنّه كان على يونس عليه السلام ألّا يستعجل فيترك قومه لوحدهم، بل أن يبقى معهم، مُذكّراً، موجّهاً لأبعد حدّ، ولا ينتظر منهم القبول، والإيمان بسرعةٍ.
عدم الغضب فخروج يونس عليه السلام من قومه كان غضباً عليهم، وعلى حالهم، وعدم نزول العذاب الموعود فيهم، وظنّه كذلك أنّ الله تعالى سيعطيه فُسحة من المجال ليدعو أقواماً آخرين طالما أنّ قومه لم يأخذوا بكلامه، ولم يستجيبوا له، لكنّ الله تعالى أراد شيئاً مختلفاً وهو الهداية المتأخّرة لقومه نفسهم.
الصبر فالصبر مفتاح الفرج، وهو طريق تحقيق الغايات التي تأخّر ظهورها، والداعي إلى الله تعالى عليه أن يكون صبوراً في دعوته، فالناس تخاف وتتوجس من التغيير وتكسل عن العبادات فتتأخّر، فعلى المسلم الداعية إلى ربّه عزّ وجلّ أن يكون صبوراً، طويل النفس ليصل إلى غايته العظيمة.
الاستمساك بصيغة التسبيح الواردة في قصة يونس عليه السلام، وهي: (لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ)، فهي جامعة، شاملة للتوحيد، والتسبيح، والاعتراف بفضل الله تعالى على العبد، حيث قال الرسول صلّى الله عليه وسلّم: (دَعْوةُ ذي النُّونِ إذ دَعا وهو في بطْنِ الحُوتِ: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين لم يَدْعُ بها رجُلٌ مُسْلِمٌ في شَيءٍ إلا اسْتجاب اللهُ لَهُ).
