أشراط الساعة.. خروج المهدي..| Signs of the Hour: The emergence of the Mahdi

 





عباد الله: فإنه لا بد أن ننبه إلى أمر غاية في الأهمية يتعلق بعقديتنا في ظهور المهدي، وهو أننا نحن أهل السنة المتبعين للكتاب والسنة، نؤمن بظهور المهدي الذي جاءت أخباره الثابتة في السنة النبوية، وهو غير ما يعتقده الشيعة الرافضة من ظهور المهدي الخاص بطائفتهم، وهو باعتقادهم هذا الذي بنوه على خرافات وروايات موضوعة يشابهون اعتقاد اليهود وغيرهم من أصحاب الضلالات والأديان المحرّفة الذين اعتقد كل واحد منهم في وجود المهدي الخاص بهم.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آل عمران:102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً)[النساء:1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً)[الأحزاب:70-71]، أما بعد:

أيها المسلمون: أشراط الساعة قد تكون صغرى وقد تكون كبرى، وفي هذه الخطبة سنقف مع بعض أشراط الساعة الكبرى، ان أشراط الساعة الكبرى هي علامات الساعة وأماراتها ذات الأحداث الكبرى الجسيمة وهي قريبة من حدوث الساعة؛ إذ على إثرها تقوم الساعة، فأشراط الساعة الكبرى تكون بوابة الساعة الرئيسة، وهي تقع متسلسلة ومتقاربة؛ كحبات العقد، إذا انفرطت حبة تكون الباقي وراءها.

عباد الله: فإن من أشراط الساعة الكبرى التي جاءت بها السنة النبوية ظهور المهدي، وهو رجل صالح، يقيم الله به أمر هذه الأمة بعد إعوجاج عن الصراط وهو شديد البأس.

والمهدي إمام هدى وصلاح يجمع الله به الخير كله للأمة في ذلك الزمان؛ فتكون في سلامة في دينها وخير في دنياها. قال ابن كثير في الفتن والملاحم: "في زمانه تكون الثمار كثيرة، والزروع غزيرة، والمال وافر، والسلطان قاهر، والدين قائم، والعدو راغم، والخير في أيامه دائم".

أيها المؤمنون: لا بد من التنبيه لأمر غاية في الأهمية وبه نصون عقيدتنا من الضلالات والتنكر لها بدعوى العقليات، وهو: أن أحاديث أشراط الساعة الخاصة بأخبار المهدي التي تُروى في المؤلفات المختلفة في هذا المجال ليست كلها صحيحة، شأنها شأن أغلب ما يروى في الكتب عن علامات الساعة الكبرى، قال ابن القيم في بيان ذلك: "منها الصحاح والحسان، والغرائب، والموضوعة".

ومنهجنا في عرض أشراط الساعة هو المنهج الموافق للقرآن والسنة ولعلماء السلف، وهو المنهج الذي يعتمد على الأحاديث الثابتة عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وتجنب الأحاديث الموضوعة والضعيفة في أخبار الساعة؛ لأن أشراط الساعة هي من الغيبيات، والغيبيات لا بد فيها من النقل الثابت، حتى لا يدخل في اعتقادنا الأساطير والخرافات والأوهام، بل تبقى نقية كما جاء بها الوحي.

ومن هنا فإنه لا بد من التأكيد على ورود أحاديث صحيحة ثابتة في الوحي وأخباره؛ لأنه وجد في الأمة من حاول أن ينكر عقيدتنا في المهدي؛ لأسباب متعددة، وتحليلات مختلفة، ووجهات نظر خاصة بأصحابها، ولكنها لا تساوي شيئا أمام المنهج العلمي الحديثي.

نعم، نحن ما يعنينا أن الخبر إذا ثبت في السنة صدقناه وأخذنا به وأظهرناه، ولا نرده بعقولنا وأهوائنا، ولا لأن هناك من انحرف في فهمه أو استغل فكرة ظهور المهدي بطريقة تخدم مصالحه أو فرقته الضالة؛ فهذا شيء نبين ضلاله ونرفضه ونقف في وجهه، ولكن دون أن يدفعنا لرد الأحاديث الصحيحة في المهدي.

قال الشوكاني: "الأحاديث في تواتر ما جاء في المهدي المنتظر التي أمكن الوقوف عليها منها خمسون حديثا؛ فيها الصحيح والحسن والضعيف، وهي متواترة بلا شك وشبهة؛ بل يصدق وصف التواتر على ما دونها في جميع الاصطلاحات المحررة في الأصول، وأما الآثار عن الصحابة المصرحة بالمهدي فهي كثيرة أيضا لها حكم الرفع؛ إذ لا مجال للاجتهاد في مثل ذلك، وقال محمد صديق خان بن حسن القنوجي في كتابه الإذاعة لما كان ويكون بين يدي الساعة: "الأحاديث الواردة في المهدي على اختلاف روايتها كثيرة جدا تبلغ حد التواتر المعنوي، وهي في السنن وغيرها من دواوين الإسلام من المعاجم والمسانيد".

ولقد تبين لنا في الأحاديث الثابتة في المهدي، أن اسم المهدي هو محمد، وأن اسم أبيه عبد الله؛ ففي الحديث الصحيح في سنن أبي داود والترمذي ومسند أحمد، والرواية لأبي داود عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "ولَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيَا إِلا يَوْمٌ"- قَالَ زَائِدَةُ فِي حَدِيثِهِ: "طَوَّلَ اللَّهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ"، ثُمَّ اتَّفَقُوا- "حَتَّى يَبْعَثَ فِيهِ رَجُلا مِنِّي"- أَوْ "مِنْ أَهْلِ بَيْتِي"- يُوَاطِئُ اسْمُهُ اسْمِي، وَاسْمُ أَبِيهِ اسْمُ أَبِي".

وأما نسبه فيعود إلى آل بيت النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ كما دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة؛ ففي سنن ابن ماجه -والحديث صحيح- عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ أُمِّ سَلَمَةَ فَتَذَاكَرْنَا الْمَهْدِيَّ، فَقَالَتْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-يَقُولُ: "الْمَهْدِيُّ مِنْ وَلَدِ فَاطِمَةَ"، وفي رواية له: عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم-: "الْمَهْدِيُّ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ، يُصْلِحُهُ اللَّهُ فِي لَيْلَةٍ"، وفي سنن أبي داود والحديث صحيح عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: "الْمَهْدِيُّ مِنْ عِتْرَتِي، مِنْ وَلَدِ فَاطِمَةَ"؛ فالروايات الثابتة كما هو مبين تدل على أن نسب المهدي هو من نسل فاطمة بنت محمد -صلى الله عليه وسلم-، فنسبه ظاهر في أنه يرجع إلى بيت النبوة؛ كما تشير الأحاديث إلى أن الله تعالى يهدي هذا الرجل الذي هو المهدي، ويصلح أحواله، ويهيئه ليقوم بدوره الإصلاحي الكبير بعد أن يكون صالحا في ذاته، وهذا واضح في رواية: "يُصْلِحُهُ اللَّهُ فِي لَيْلَةٍ".

وهنا نؤكد أن المهدي هو رجل عادي كغيره من الرجال، وليس نبيّا، ولا خارقا للعادة، ولا فوق البشرية، تجري فيه سنن الله في الهدى والصلاح وحمل الأمانة والقيام بالاستحلاف في الأرض.

أيها المؤمنون: هذا الرجل الصالح المهدي بينت لنا السنة النبوية الصحيحة شيئا من صفاته الخَلقية الجسدية وتفيد في التحقق من شخصه، كما بينت لنا كذلك السنة جانبا من دوره الإصلاحي المجتمعي العالمي الكبير، كما بينت لنا الفترة الزمنية التي يُمكّن الله له فيها من قيادة الأمة؛ ففي سنن أبي داود والمسند وصححه الألباني، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "الْمَهْدِيُّ مِنِّي، أَجْلَى الْجَبْهَةِ، أَقْنَى الْأَنْفِ، يَمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطًا وَعَدْلًا، كَمَا مُلِئَتْ جَوْرًا وَظُلْمًا، يَمْلِكُ سَبْعَ سِنِينَ".

وفي مستدرك الحاكم وصححه الألباني، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "يَخْرُجُ فِي آخِرِ أُمَّتِي الْمَهْدِيُّ يَسْقِيهِ اللَّهُ الْغَيْثَ، وَتُخْرِجُ الْأَرْضُ نَبَاتَهَا، وَيُعْطِي الْمَالَ صِحَاحًا، وَتَكْثُرُ الْمَاشِيَةُ وَتَعْظُمُ الْأُمَّةُ، يَعِيشُ سَبْعًا أَوْ ثَمَانِيًا"؛ فالأحاديث تبين أن من صفات المهدي الشخصية أنه أجلى الجبهة وهو الخفيف الشعر ما بين النزعتين من الصدغين، والذي انحسر الشعر عن جبهته، وأنه أقنى الأنف؛ أي فيه طول ورقة وحدب في أوسطه.

كما بينت الأحاديث الدور المهم الذي سيقوم به المهدي وهو الدور الإصلاحي العظيم لواقع المسلمين والناس، حيث يأتي في زمان يكون فيه الفساد السياسي والاجتماعي والخلقي والغياب الكامل لقيم العدالة في المجتمعات، وتسلط قوى الشر والباطل والعدوان، فيعينه الله تعالى وينصره وييسر له أسباب القوة ما يستطيع به أن يغير الواقع المظلم إلى واقع يرى فيه الناس العدل والحق والأمانة، وانتشار القيم الصحيحة في واقعهم بما يعود على الجميع بالخير والبركات. وهو إصلاح يقوم به المهدي على منهاج النبوة ويحقق في الناس قيم الكتاب والسنة. ويمكنه الله تعالى في الحكم والإصلاح والدعوة قرابة السبع سنوات، فيسود في عهده الأمان والرخاء وتظهر الاستقامة في الناس، فيجمعون بين الدنيا والدين.

أيها الأخوة: إن الحديث عن ظهور المهدي في مستقبل الأمة، وعن دوره الإصلاحي ليس معناه التواكل ولا التقاعس ولا انتظار المخلّص حتى يأتي، فالمهدي له زمانه ورجاله وأسبابه، والأمة مطالبة في كل زمان بالعمل على تحقيق العبودية لله في الأرض والدعوة إلى الله وإصلاح المجتمعات بالحكمة والموعظة الحسنة.

أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.