يأجوج ومأجوج: حقيقة غائبة وفتنة قائمة!



يأجوج ومأجوج: حقيقة غائبة وفتنة قائمة

✦ بقلم: بو بكر

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أيها الإخوة، قبل أن نبدأ في هذا الموضوع، أود أن أشير إلى كلام فضيلة الشيخ عامر الجزائري، الذي تناول مسألة مهمة سبق أن نشرناها، لكن يبدو أن كثيرًا من الإخوة يقرأون بعض السطور، ثم يعلّقون ويغادرون دون أن يفهموا الأساس الذي بُني عليه الكلام.

لذلك، من الواجب علينا أن نتابع المادة من بدايتها إلى نهايتها، حتى يتبين لنا الحق من الباطل. فعلى سبيل المثال، كثير من الناس إذا سمع حديثًا عن النبي ﷺ، قال له أحدهم: "قال الشيخ فلان"، فيأخذ بكلامه دون تدبر. وهذا طريق مسدود.

الواجب علينا أن نتدبر هذه المسائل، وأن نتأمل في كتاب الله عز وجل، وفي أحاديث النبي ﷺ، فالتدبر لا ينتهي حتى تقوم الساعة.


حديث النبي ﷺ عن يأجوج ومأجوج

قال النبي ﷺ في حديث صحيح:

"ويلٌ للعرب من شرٍّ قد اقترب، فُتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه."

فإذا كان النبي ﷺ قد قال إن الردم قد فُتح في زمانه، فكيف لنا أن نقول إنه لن يُفتح إلا في آخر الزمان؟!

الواجب علينا أن نصدق النبي ﷺ، وإن قال بعض مشايخنا خلاف ذلك، فذلك اجتهاد منهم، وهم غير معصومين. لذلك، علينا دائمًا أن نتأمل في كتاب الله، وفي أحاديث النبي ﷺ، وأن نأخذ العلم من مصدره الصحيح.

حين يقول النبي ﷺ: "فُتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه"، فإن ذلك يعني أن الفتح قد وقع بالفعل في زمنه، وأن يأجوج ومأجوج قد خرجوا واختلطوا بالناس، لكن التمكين لهم سيكون في آخر الزمان، كما ورد في كتاب الله عز وجل.


الفرق بين الفتح والخروج

هناك فرق بين "فتح الردم" و"خروج يأجوج ومأجوج". الفتح يعني التمكين لهم من بلوغ السد، وقد وقع ذلك في زمن النبي ﷺ، أما التمكين الكامل فسيكون في آخر الزمان، حيث يحكمون الأرض وينشرون الفساد والخبث، وهذا ما نراه يحدث في زماننا.


وعند الرجوع إلى ما ورد في كتب أهل الكتاب، نجد أنهم يذكرون أن يأجوج ومأجوج سيحاصرون بني إسرائيل في آخر الزمان، ويقولون إنهم يمثلون روسيا، والصين، وكوريا، وإيران. وإذا بحثنا في هذه المسألة، نجد أنها لا تخالف ما ورد في القرآن الكريم، ولا في أحاديث النبي ﷺ.


وفي النهاية، يأجوج ومأجوج هم بشر من بني آدم، وهذا أمر ثابت. فلا يصح أن نقول إنهم لا يزالون خلف السد ولن يخرجوا حتى ينزل عيسى عليه السلام. بل ستجد منهم المسلم والمسيحي واليهودي والكافر، لكن أكثرهم من أهل الفساد والإفساد.


الجهل بحقيقتهم

أسأل الله سبحانه وتعالى أن يكون هذا الكلام تبصرة بعد غفلة.

درس اليوم عن يأجوج ومأجوج، هؤلاء القوم الذين ورد ذكرهم في كتاب الله، وجاء تفصيلهم في سنة رسول الله ﷺ. هم أكثر الناس عداوة للدين، وأكثرهم فسادًا وخبثًا في خلق الله عز وجل.

والحق أقول: منذ مدة وأنا أبحث عن علمهم، وأتأمل ما ثبت في الوحي، فوجدت العجب العجاب. سألت الناس عن يأجوج ومأجوج، فكان الجواب عجيبًا، بل كان الجهل بهم أكثر من العلم.

الأصل في العبد المؤمن أن يأخذ علمه عن الله سبحانه وتعالى، الذي أخبرنا عن يأجوج ومأجوج في الكتاب والسنة. فكيف نترك ما أخبرنا به الله، ونذهب نبحث عن صفاتهم في الإسرائيليات التي لا تثبت، وفي القصص التي ضخّمها الناس؟


صفاتهم الحقيقية

والله، بعد سنوات من البحث، وجدت أن السبب في غفلة الناس عن حقيقتهم هو الشيطان، سواء من شياطين الإنس أو الجن، ليصرف الناس عن حقيقتهم ويبقيهم في غفلة عن أمر عظيم نعيشه اليوم بسبب يأجوج ومأجوج.

لذلك، يجب أن نأخذ العلم ممن أخبرنا عنهم بدءًا وانتهاءً، وهو الله عز وجل، في كتابه وسنة نبيه ﷺ.

سألت الناس عن يأجوج ومأجوج، فكان الجواب متداولًا حتى في كتب التفسير:


"هم أقوام أقزام، يخرجون من الأرض في آخر الزمان، يأكلون الحجر والشجر، ويشربون البحيرات، ويأكلون لحوم البشر."


بل قيل إنهم يبلغون السحاب طولًا، ومنهم من قيل إنهم بطول الشبر أو الشبرين.

هذه التصورات رسخت في عقول الناس، وهي سبب البعد والغفلة عن حقيقتهم وفتنتهم التي أفزعت رسول الله ﷺ.


ما ثبت عنهم يقينًا

حتى نتعلم علمًا نافعًا، يجب أن نؤسس بالصدق، وبما ثبت من الوحي. وجدت أن كثيرًا من أهل العلم لا يزيد علمهم عن يأجوج ومأجوج قيد أنملة عن علم العامة، بل قال لي بعضهم:


"ما لك وشأنهم؟ ما دام عيسى بن مريم لم ينزل، فلن يخرجوا."

لكن هذا غير دقيق. فالله سبحانه وتعالى قال لعيسى عليه السلام بعد قتل الدجال:

"حرّز عبادي إلى الطور، فإني قد أخرجت عبادًا لا يدان لأحد بقتالهم."

إذن، خروجهم لا يرتبط فقط بنزول المسيح، بل له مراحل.


الحديث الضعيف والصفات المنسوبة

هناك حديث ضعيف رواه الإمام أحمد في مسنده، عن ابن حرملة عن خالته، وفيه صفات مثل:


"قوم صغار الأعين، ذلف الأنوف، وجوههم كالمجان المطرقة، ينتعلون الشعر."


لكن هذا الحديث لا يصح، لأن الراوي مجهول، والصفات المذكورة تنطبق على الترك، لا على يأجوج ومأجوج.


وقد ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ قال:

"إن يأجوج ومأجوج من بني آدم."
وقال الله يوم القيامة لآدم:
"أخرج بعث النار من ذريتك."
فهم من بني آدم، خلقهم كخلقنا، لا صفات عجيبة كما يتصور الناس.


يأجوج ومأجوج: بين الحقيقة القرآنية والتصورات الشعبية


أخبرنا رسول الله ﷺ، وأوصانا أن نأخذ القرآن من أربعة، منهم عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وقال:


وفي سورة الأنبياء، يقول الله تعالى:

لكن كثيرًا من الناس لا يعرفون حقيقة معنى "الحدب". في قراءة عبد الله بن مسعود، التي أوصى بها النبي ﷺ، ورد:

والجدث هو مفرد "أجداث"، أي القبور. كما قال تعالى:

فكيف يقول الله إن يأجوج ومأجوج يخرجون من كل جدث؟ بل وردت قراءات أخرى مثل "جدف" بالفاء، و"جدث" بالثاء. هذه الكلمات تحتاج إلى تدبر عميق، ولن تجد تفسيرًا يشبع حاجتك من العلم إلا بالرجوع إلى الوحي.


التصورات الخاطئة عن موعد خروجهم

ما زاد الناس بُعدًا عن حقيقة يأجوج ومأجوج هو تصورهم الخاطئ لموعد خروجهم. فقد رسخ في أذهان كثيرين أنهم لا يخرجون إلا بعد نزول المسيح ابن مريم عليه السلام وقتله للدجال، ثم يوحي الله إليه:


لكن التصور الشعبي يصوّرهم كأقزام يخرجون من الأرض، يأكلون الحجر والشجر، وهي خرافات لم تثبت في نصوص الوحي، بل زادت الناس بُعدًا عن دينهم.


حقيقة الاسم واللغة

قال بعضهم إن اسم "يأجوج ومأجوج" أعجمي، وهذا ظلم لكتاب الله. فالقرآن نزل بلسان عربي مبين، وألفاظه وكلماته وقصصه كلها عربية. فكيف يُقال إن فيه أعجمي؟ هذا يشابه قول المشركين الذين طعنوا في بيان القرآن.


هل يأكلون البشر؟

يقول البعض إنهم يأكلون الناس والأخضر واليابس، لكن لو كان ذلك صحيحًا، لما بقي الذين طلبوا من ذي القرنين أن يجعل بينهم وبين يأجوج ومأجوج سدًا. هؤلاء كانوا على قيد الحياة، وخالطوهم، ووجدوا منهم الفساد، فطلبوا العزل، ولم يُؤكلوا كما يُشاع.


موتهم وقيام الساعة

أخبرنا النبي ﷺ أن الله يرسل عليهم النغف، فيموتون كنفس واحدة، ثم تأتي ريح تأخذ المؤمنين، وتقوم الساعة على شرار الخلق. وهذا يدل على أن يأجوج ومأجوج ليسوا أشرّ الخلق، بل هناك من يأتي بعدهم أشد شرًا.


حفرهم للسد

قال النبي ﷺ إنهم يحفرون السد كل يوم، حتى إذا لم يبقَ بينهم وبين شعاع الشمس إلا شبر، قالوا: "نرجع غدًا فنكمله"، فيعيده الله كما كان. ويتكرر ذلك حتى يبلغوا الأجل الذي شاءه الله، فيقول قائدهم:


فيستثني، فيفتحونه، ويتركه الله على حاله، فيخرجون. وهذا يدل على أنهم يعرفون الله، ويقولون "إن شاء الله"، ويلهمهم الله هذه الكلمة.


خروجهم قبل الدجال

من المعلوم عند الناس أن خروجهم يكون بعد قتل المسيح للدجال، لكن إذا جمعنا النصوص، نجد أن يأجوج ومأجوج يشربون ماء بحيرة طبريا حتى لا يبقى فيها شيء، ويقول آخرهم:


فكيف ذلك، والبحيرة تنضب قبل خروج الدجال؟ هذا يدل على أنهم خرجوا قبل الدجال، وتغلغلوا في الناس، واستفحلوا، وتمكنوا، وشربوا الماء، ثم بعد ذلك يخرج الدجال.


حديث تميم الداري

في حديث تميم الداري، حين خاطب الدجال وهو مقيد، سأله عن علامات خروجه، ومنها بحيرة طبريا، وعين زغر، ونخل بيسان. قال له:


فقال:أي أنه ينتظر هذه العلامات ليبدأ فتنة الناس.


شح الماء قبل خروجه

قال النبي ﷺ إن قبل خروج الدجال ثلاث سنوات من القحط:

السنة الأولى: تمسك السماء ثلث قطرها، والأرض ثلث نباتها.
السنة الثانية: تمسك السماء ثلثي قطرها، والأرض ثلثي نباتها.
السنة الثالثة: تمسك السماء قطرها كله، والأرض لا تنبت شيئًا.

لذلك، يرد الدجال كل ماء ومنهل، حتى يفتن الناس، ويُظهر قوته.


العرب في زمن الفتنة

قال النبي ﷺ:أي أن الماء يصبح نادرًا، ويشرب الناس من المستنقعات، أما بحيرة طبريا فلا تكون موجودة.


التناقض الظاهري بين النصوص

إذا جمعنا النصوص، نجد أن يأجوج ومأجوج هم من ينشفون بحيرة طبريا، وهذا يعني أنهم خرجوا قبل الدجال، وليس بعده كما يُشاع. لذلك، علينا أن نتريث، ونتدبر، ولا نستعجل في الحكم، وأن نُصفّي فهمنا من الخرافات، ونأخذ فقط من الوحي، ففيه الكفاية.


خلاصة القول

لا يصح في صفاتهم إلا أنهم بشر من بني آدم، وصفاتهم الأخلاقية هي الفساد، والخبث، والكفر، كما قال النبي ﷺ:

"لو أُرسلوا على الناس لأفسدوا عليهم معايشهم."

أيها الإخوة، هذا دين نتدين به، وليس مجرد قصص نرويها للتسلية. هؤلاء القوم هم جلّ أهل النار، ومنهم من يكون مؤمنًا، فكيف لا نعرفهم؟

فلنؤسس علمنا باليقين، ولنأخذ ما ثبت عنهم من الوحي، لا من الإسرائيليات ولا من الخرافات.