المهدي المنتظر بين علامات الساعة واليقين الإيماني
من رحمة الله تعالى بعباده أن جعل بين يدي الساعة أمارات وعلامات، أخبرنا بها رسوله الكريم ﷺ، ليكون المسلم دائمًا على حذر، مستيقنًا بالرحيل من هذه الدنيا، ومُستعدًا للحساب والجزاء.
فالموت يأتي بغتة، والمؤمن يعيش بين الرجاء والخوف، لا يركن إلى دار الغرور، بل يتقي الله في أقواله وأفعاله. وقد جاءت الحكمة من إخفاء وقت الساعة لتحث المؤمن على مراقبة أعماله ومحاسبة نفسه، استعدادًا لذلك اليوم العظيم. فكلما ظهرت آية من آيات الساعة، راجع المؤمن نفسه، وخشي أن يكون زمانه آخر الأزمان، فتذكر الآخرة وفناء الدنيا، وتذكر فجأة مفارقته لها بالموت.
وما الذي يجعل الإنسان في مأمن، وهو لا يدري؟ فقد يموت قبل ظهور العلامة القادمة. فالموت لا يُمهل، والاستعداد ينبغي أن يكون دائمًا، ما دام المؤمن يوقن بيوم آخر يُحاسب فيه الخلائق. وهذا اليقين يدفعه إلى مزيد من التقوى والعمل الصالح. ومن علامات الإيمان الصادق: الانقياد، والطاعة المطلقة، والتصديق الجازم بكل ما جاء به النبي ﷺ، حتى وإن عجزت العقول عن تصوره، فالعجز في العقول، أما الخبر الصحيح فهو متحقق لا محالة، كما أخبر الرسول ﷺ.
بين العلامات الصغرى والكبرى: المهدي المنتظر
لقد ظهرت علامات صغرى وانقضت، بدأت ببعثة النبي ﷺ ووفاته، وهناك علامات ظهرت ولم تنقضِ بعد، بل لا تزال في ازدياد، ومنها: ضياع الأمانة، ورفع العلم بقبض العلماء، وكثرة شهادة الزور، وكتمان الحق، واستفاضة المال، وظهور الكاسيات العاريات، وتقارب الزمان، ووقوع التناكر بين الناس، وكثرة القتل، وتمني الموت من شدة البلاء.
أما العلامات الكبرى التي يعقبها اليوم الموعود، فقد تكلمنا عن بعضها، وسيكون حديثنا اليوم عن علامة واحدة، وهي من أوائل هذه العلامات كما تدل عليه الأحاديث الصحيحة: ظهور المهدي المنتظر.
صفات المهدي وبشارات ظهوره
يبشّر النبي ﷺ بظهور المهدي في آخر الزمان، حين يسود الظلم والجور، فيقيم بأمر الله العدل، ويمنع الظلم، ويسقيه الله الغيث، فتمطر السماء، وتُؤتي الأرض أُكلها.
عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ:
"لا تنقضي الأيام ولا يذهب الدهر حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي، اسمه يواطئ اسمي."
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال:
"يخرج في آخر أمتي المهدي، يسقيه الله الغيث، وتخرج الأرض نباتها، ويُعطي المال صحاحًا، وتكثر الماشية، وتعظم الأمة، يعيش سبعًا أو ثمانيًا" يعني حججًا.
ومن صفاته الخَلقية كما ورد في الحديث:
"المهدي مني، أجلى الجبهة، أقنى الأنف" أي أن شعره منحسر عن جبهته، وأنفه طويل دقيق الأرنبة، فيه حدب في وسطه.الموقف من المهدي بين الإفراط والتفريط
ورغم وضوح النصوص، فقد انقسم الناس في شأن المهدي:
- فمنهم من أنكر ظهوره
- ومنهم من غالى فيه
- ومنهم من وقف عند النصوص الصحيحة، ولم يتجاوزها
وقد أشار النبي ﷺ إلى ظهوره قبل نزول عيسى عليه السلام، فقال:
"كيف بكم إذا نزل فيكم عيسى ابن مريم، وإمامكم منكم؟"
وقد بيّن العلماء أن أحاديث المهدي بلغت حد التواتر المعنوي، لكثرة طرقها، واختلاف رواتها، وصحابتها، وألفاظها، فهي تدل على أن أمره ثابت، وخروجه حق.
والمهدي هو محمد بن عبد الله العلوي الحسني، من ذرية الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما. وقد ادّعت بعض الفرق والطوائف الضالة أن زعيمهم هو المهدي المنتظر، وادّعى كثير من الأشخاص ذلك كذبًا، لكن الله يُظهر كذبهم ويفضح باطلهم.
القول الوسط في أمر المهدي
القول الوسط في أمر المهدي هو ما تقضي به النصوص الصحيحة في اسمه، واسم أبيه، ونسبه، وصفاته، ووقت خروجه، دون تجاوز لما ورد. كما قال ابن القيم رحمه الله:
"هو رجل من أهل بيت النبي ﷺ، من ولد الحسن بن علي، يخرج في آخر الزمان، وقد امتلأت الأرض جورًا وظلمًا، فيملؤها قسطًا وعدلًا."
ولا يزال في عصرنا من يدّعي أنه المهدي، ليغرر بعامة الناس، ويستغل هذه الشخصية لمطامعه، لكن الله يُظهر كذبهم، كما قال تعالى:
"ومن أظلم ممن افترى على الله كذبًا أو قال أوحي إليّ ولم يوحَ إليه شيء."
واجب المسلم تجاه قضية المهدي
الواجب عدم الخوض في أمر المهدي بالتوقعات والمنامات، بل الاكتفاء بما ورد في الأحاديث الصحيحة، واليقين بأن علامته ستكون ظاهرة في وقتها، فهي من علامات الساعة، وسيكون له الولاية والنصر، ويقيم العدل، ويعم الخير، كما أخبر رسولنا الكريم ﷺ.
إن الإيمان بظهور المهدي المنتظر ليس مجرد تصديق لنصوص الغيب، بل هو جزء من منظومة العقيدة التي تُرسّخ في قلب المسلم اليقين بوعد الله، والثقة بنصره، والرجاء في عدله حين يشتد الظلم وتضيق الأرض بما رحبت.
وما بين علامات الساعة الصغرى والكبرى، يظل ظهور المهدي علامة فاصلة، تسبق تحولات كبرى في التاريخ الإنساني، وتُمهّد لنزول عيسى عليه السلام، وإقامة العدل الإلهي في الأرض.
فليكن موقفنا من هذه القضية موقف المؤمن المتزن، الذي لا يغلو ولا يُنكر، بل يسلّم للنصوص الصحيحة، ويستعد ليومه بالعمل الصالح، والتقوى، ومحاسبة النفس، فإن الموت أقرب من العلامات، والساعة آتية لا ريب فيها.
نسأل الله أن يثبتنا على الحق، وأن يجعلنا من عباده الصادقين، الذين يستبشرون بوعده، ويعملون لما بعد الموت، ويوقنون بأن الخير آتٍ، وإن طال الطريق.
والله المستعان، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
