الرايات السود في آخر الزمان: بين النبوءة والتاريخ

 

الرايات السود في آخر الزمان: بين النبوءة والتاريخ

مقدمة


في زمن تتكاثف فيه الفتن وتتشابك فيه الروايات، تبرز الرايات السود كأحد أعلام النبوءة التي شغلت بال العلماء والمفسرين عبر القرون. ليست الراية السوداء مجرد لون أو شعار، بل هي مسار تاريخي يحمل في طياته دلالات عميقة، بعضها يمهّد للخلافة الراشدة، وبعضها يُفضي إلى فتنة حالقة لا تُبقي ولا تذر.

هذا المقال ليس سردًا للأحاديث فحسب، بل هو محاولة لفهم السياق، وتحليل المسارات، واستجلاء الفروق الدقيقة بين الرايات المحمودة والمذمومة، كما وردت في كلام النبي ﷺ وأقوال الصحابة الكرام.

نغوص فيه في أعماق النصوص، ونربطها بالواقع، لنرسم صورة أقرب لما قد يكون عليه المشهد في آخر الزمان، حيث تتقاطع النبوءة مع التاريخ، وتُختبر البصيرة قبل السيف.


تُعدّ الرايات السود من أبرز الرموز التي وردت في أحاديث آخر الزمان، وقد ارتبطت بها أحداث عظيمة وفتن جسيمة، اختلفت فيها المسارات بين رايات ممدوحة تمهّد للخلافة، وأخرى مذمومة تُفضي إلى الكفر والدمار. هذا المقال يستعرض أبرز الأحاديث والآثار المتعلقة بهذه الرايات، ويحلل مساراتها التاريخية والرمزية، مع التركيز على العلاقة بين العرب والفرس في سياق الهلاك والفتن.


الرايات المحمودة: بداية خذلان ونهاية نصر

تشير الأحاديث إلى أن الرايات المحمودة تبدأ بانكسار أو خذلان، إذ يُطلب منها الحق فلا يُعطى، لكنها تُمهّد للخلافة وتُوطّئ الطريق للمهدي.

نهاية هذا المسار تكون بالنصر، حيث تُسلّم الراية للمهدي، الذي يقيم دولة الخلافة، ويقاتل فيُنصر، ويُعطى ما سأل، فلا يقبله حتى يدفعه إلى رجل من أهل بيته، فيملأ الأرض قسطًا وعدلًا.


الرايات المذمومة: بداية نصر ونهاية كفر

على النقيض، تبدأ الرايات المذمومة بنصر سريع، وقد تتمكن من إقامة أول دولة إسلامية تحكم بولاية الفقيه.

هذا الانتصار الساحق في بدايته يكون فتنة عظيمة، تؤدي إلى ضلال كثير من الناس، ثم تنتهي بكفر وقتل للمسلمين، لا سيما العرب، قتلًا لم يُقتل مثله من قبل.

عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال:

«يخرج رجل من أهل المشرق، يدعو إلى آل محمد، وهو أبعد الناس منهم، ينصب علامات سود، أولها نصر وآخرها كفر، يتبعه خشارة العرب وسفلة الموالي والعبيد الأباق ومراق الآفاق، سيماهم السواد، ودينهم الشرك، وأكثرهم الجدع».


فتنة الحالقة: تحلق الدين وتُفني العرب والموالي

تُسمى الفتنة الناتجة عن هذه الرايات بـ"الحالقة"، لأنها تحلق الدين وتُفني صريح العرب وصالح الموالي وأصحاب الكنوز والفقهاء، وتنجلي عن أقل من القليل.

وتدل الأحاديث على أن هذه الفتنة ستكون في الجزيرة العربية، وأن أكثر من سيهلك فيها هم العرب والفرس، ولن يبقى إلا القليل، وجلّهم في الشام.


الدجالون الثلاثة: تمهيد الفتن قبل الأعور

في حديث حذيفة بن اليمان، ورد ذكر ثلاثة دجالين يسبقون خروج المسيح الدجال الأعور:

1. الدجال الأول: يخرج من المشرق، يتبعه خشارة العرب وسفلة الموالي، أولهم مثبور وآخرهم مبتور، وهو أكذب الكذابين.

2. الدجال الثاني: كذاب يخرج قبيل الأعور، وقد يكون إشارة إلى السفياني.

3. الدجال الثالث: هو المسيح الدجال الأعور، الذي يقتله المسيح عيسى بن مريم عليه السلام.

وهذا الترتيب يُظهر أن فتنة الرايات السود المذمومة تسبق ظهور الأعور، وتُعدّ من علامات اقتراب النهاية.


كنز العرب والالتحام الدموي في الجزيرة

من علامات الهلاك الكبرى، اقتتال ثلاثة أمراء على كنز العرب، والذي لن يكون في النهاية لأحد منهم.

يقول الحديث:

«يقتتل عند كنزكم ثلاثة، كلهم ابن خليفة، ثم لا يصير إلى واحد منهم، ثم تطلع الرايات السود من قبل المشرق، فيقتلونكم قتلًا لم يقتله قوم».

الكنز هنا يُنسب إلى العرب، لا إلى الكعبة، مما يرجّح أنه يشير إلى الفيء، أي الثروة القومية من نفط وغاز، وليس كنز الكعبة الذي لن يُستخرج إلا في آخر الزمان على يد الحبشة.


الرايات السود والفرس: جدل بين الصحابة

في أثرٍ روته كتب الحديث، دار حوار بين عبد الله بن عباس وأبي هريرة رضي الله عنهما، حول الرايات السود القادمة من المشرق:

ابن عباس قال:

«إذا رأيتم الرايات السود تجيء من قبل المشرق، فأكرموا الفرس، فإن دولتنا فيهم».

وكان يقصد رايات بني العباس التي قامت على أكتاف الفرس.

أبو هريرة ردّ:

«سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا خرجت الرايات السود، فإن أولها فتنة، وأوسطها ضلالة، وآخرها كفر».

ويُفهم من هذا الأثر أن الصحابيين كانا يتحدثان عن رايات سود مختلفة، في عصور مختلفة، لكن كلاهما كان صادقًا فيما نقل.


راية الشر القادمة من الشرق

الراية السوداء المذمومة، التي ستخرج في آخر الزمان، ترتبط بدولة الفرس الأخيرة، وتحمل معها ثارات تاريخية وأحقادًا دفينة.

وعندما تضعف شوكة الدولة في الجزيرة العربية، ستغزو هذه الرايات المنطقة، وتقتل المسلمين والعرب قتلًا لم يُقتل مثله من قبل، وتستولي على كنزهم وفيئهم.

إنها راية الشر القادمة من الشرق، التي أولها فتنة، وأوسطها ضلالة، وآخرها كفر، والتي ستؤدي إلى الفتنة الحالقة، أو الحارقة، أو الجارفة، وهي المحطة الشرقية من فتنة الدهيماء، التي لن يبقى بيت من العرب أو العجم إلا وملأته ذلًا وخوفًا.


خاتمة

الرايات السود في آخر الزمان ليست كلها سواء، فبعضها يمهّد للخلافة، وبعضها يُفضي إلى الفتنة والهلاك.

والتمييز بينها لا يكون بالشكل أو اللون، بل بالمسار التاريخي، والمآلات، والمواقف من الحق والعدل.

إنها دعوة للتأمل في النصوص، والوعي بالتاريخ، والاستعداد للفتن القادمة، لا بالخوف، بل بالبصيرة والثبات.