مفاجئة و بالأدلة الخلافة و الخلفاء و خروج المهدي
لقد استقر في نفسي منذ زمن بعيد أن الإمام المهدي سيكون آخر الخلفاء، ويسبق "ببيت المقدس"، والاعتراضات على هذا الرأي لديّ لها أجوبة. فعلى سبيل المثال، عندما يُقال إن النبي ﷺ وصفه بأنه "يملأ الأرض عدلًا بعدما مُلئت جورًا"، يُفهم من ذلك أن المرحلة التي تسبق المهدي تكون الأرض فيها مليئة بالجور، ثم يأتي المهدي ليملأها بالعدل بدلًا من الجور. لا يا أخي الفاضل، فقبل المهدي، سيكون هناك خلفاء يملؤون أرض الإسلام، وإنما المهدي سينقل الأمة نقلة واسعة، فيملأ الأرض كلها، وليس فقط أرض الأمة، كما تفهمه.
فإن كان فهمي صحيحًا، فإن جميع الأحاديث الواردة ستجد لها موضعًا وفهمًا صحيحًا، والخط يمتد باستقامة ولا يتناقض. وإن كان فهمي للأحاديث صحيحًا، فإن الإمام المهدي هو فعلًا الوحيد الذي سيملأ الأرض عدلًا.
نعم بعد الخلافة ستكون هناك فتنة أخرى وهي البلابل المذكورة في حديث ابن حوالة لأن المهدي لن يخرج الا على اخر فتنة في هذه الامة وهذه الفتنة بعد الخلافة و ليس قبلها وبعد المهدي ليس هناك فتنة بل يكون عيسى عليه السلام وتملئ الارض عدلا و يكون خيرا كثير حتى اذا مات عيسى ارسل الله سبحانه ريحا طيبه تقبظ روح من كان في قلبه متقال درة من الامان و يبقى شرار الخلق.
نعم بعد فترة من زمن الخلافة ، يموت خليفة، ويختلف الناس يكون اطراب، ويتعثر النظام العام، وتظهر إشارات على أن هناك تحضّرًا من الأعداء للانقضاض على الأمة، وهكذا... والأمة حينها هي الأمة الإسلامية، ولها رُومٌ يحيطون بها من كل جهة، فيحدث اجتماع الأمة والتئامها مرة أخرى على الإمام المهدي.
فلا يمنع ذلك من وجود خلافة راشدة قبل المهدي، قد يكون فيها شيء من الاضطراب، ثم يلتئم الأمر باختيار هذا الإمام المبارك، عليه رضوان الله.
ما جعلني أجرؤ على طرح هذا الرأي هو أنني وجدت له سلفًا، فقد وجدت الشيخ الألباني، رحمه الله، قد حقق هذه المسألة تحقيقًا ماتعًا، وخلص فيها إلى هذه النتيجة. وشيخنا، رحمه الله وأحسن إليه، الدكتور عمر سليمان الأشقر، أيضًا درسها وخلص إلى ذات النتيجة، فاطمأن قلبي.
وحين تجد أئمة كبارًا من هذه الطينة، ومن هذا الحجم، يقلون نفس الكلام يطمئن قلبك إلى أن الرأي الذي تطرحه له احتمال وجيه.
ثم إن النبي ﷺ قال في الدجال إنه يخرج في غضبة يغضبها، والدجال قديم المنظر، لا نعرف الكثير عن بداياته، هو بشر وليس جنًّا.
يخرج كما قال النبي ﷺ في غضبة يغضبها، والدجال قديم المنظر، أي أنه كان موجودًا في زمن النبي ﷺ متمثلًا في صورة بني آدم عادي، اسمه ابن صياد، كما جاءت الأحاديث في صحيح البخاري وغيره. كما كان في زمن موسى عليه السلام والذي هو السامري و هكذا في كل الأزمان يظهر بشخصية مغايرة ثم يختفي فجأة.
ففي زمن النبوة، ظهر في صورة ابن صياد، وفي حديث عند الإمام أحمد، أن سيدنا عبد الله بن عمر كان يمشي في شارع، فعرض له ابن صياد، فأغضبه، وقال له : "نحن نعرف حقيقتك ونعرف طبيعتك، إلى متى ستتنكر؟" فغضب، فانتفخ حتى ملأ الطريق أو سدّه، ففزع عبد الله بن عمر، وهرع إلى بيت أخته حفصة أم المؤمنين، عليهما رضوان الله.
فقالت له حفصة: "ويحك، فيمَ أغضبته؟ ألم تعلم أنه يخرج في غضبة يغضبها؟"
فما الذي سيغضب الدجال هنا مسألة مهمه يجب ان نفهمها وهو السبب الذي سيدفعه للخروج من مخبئه، وهو يعلم تمامًا أنه إذا خرج بصورته الحقيقية وفتنته الكاملة، فإن ذلك سيكون سبب هلاكه، إذ سينزل المسيح عليه السلام. هو يعلم ذلك جيدًا، ويعلم أن له موعدًا لن يُخلفه، وهذا الموعد حين يخرج في صورته الحقيقية. فهو دائما يهرب و يتفادى من أن يظهر بصورته الحقيقية، ويستمر في إدارة الفتن والمشاكل متخفيًا خلف أقنعة كثيرة، مختبئًا.
فهل من الممكن أن تكون فتن اليوم هو ضالع فيها؟ له أعوان؟ وكل الفتن البشرية، والضلالات التي تمر بها البشرية، هي من تحالف إبليس والدجال وأنا عندي لا شك فيه؟
ثم يأتي في لحظة، أمام هذا الإبهار الذي تقدمه الحضارة الإسلامية والخلافة الإسلامية، فلا يستطيع أن يصبر، ويقرر أن يخوض معركته الأخيرة، وأن يهدم ما بنته هذه الحضارة. ويختار لحظة مواتية تمامًا، سنة يكون فيها جدب، وقلة في المطر، وضيق في الأقوات والأرزاق على الناس، فيدخل هو على الخط ليغنم هذه الحالة، ويقول: "هذه هي الخلافة التي كنتم تتغنون بها وتمجدونها، والخيرات التي جلبتها للبشرية، ها هو الفقر قد عاد مرة أخرى."
فيقول: "هذه فرصتي"، فيخرج ليهدم ما بناه المسلمون.
فتكون أحداث الدجال، وينزل السيد المسيح عليه السلام، ويمكث الدجال في الأرض أربعين يومًا، كما أخبر النبي ﷺ:
• يوم منها كسنة
• واليوم الثاني كشهر
• واليوم الثالث كأسبوع
• ثم سائر أيامه كسائر أيام الناس
بفتنته التي تزول وتنقضي وتُطوى، فيبقى بعدها السيد المسيح عليه السلام، إما سبع سنين على قول، أو أربعين سنة.
وقد أخبر النبي ﷺ أن مكثه أربعين سنة، والراجح عندي أن هذه الأربعين سنة تكون في آخر الزمان، لأنه في بعض روايات الحديث قال: "ومكثه فيكم"، لأن بعض أهل العلم فهموا أنها أربعون سنة مقسومة: ثلاث وثلاثون سنة في حياته الأولى حين وُلد السيد المسيح، وسبع سنين في آخر الزمان، لتتطابق هذه السنوات السبع مع سبع سنين يبقاها الإمام المهدي بعد انتصاره على المسيح الدجال، فكأن وفاة المهدي ووفاة المسيح ستكونان متزامنتين.
ثم بعد ذلك، يبعث الله ريحًا لا تدع نفسًا مؤمنة إلا قبضتها، حتى لا يبقى على الأرض إلا شرار الخلق، وعليهم تقوم الساعة.
يعني، الأغلب أن عيسى عليه السلام سيبقى أربعين سنة، هذا هو الأرجح، والمهدي يبقى سبع سنين.
وسيدنا المسيح يُبعث بالنبوة، لا بالحكم، أي يكون نبيًا في آخر الزمان، ولا يرتفع عنه وصف النبوة، لكنها نبوة تابعة لنبوة محمد ﷺ، ولا يُبعث بشريعة جديدة، إلا بأمرين يُبعث بهما عيسى مجددًا:
1. وضع الجزية: فلا يقبل من أهل الكتاب جزية، ويأتي السيد المسيح إلى أتباعه، فيضع لهم قانونًا: إما الدخول في الإسلام والخروج من الضلالات التي هم فيها، أو أن يُعمل فيهم السيف، ويرفع عن الأمة المسلمة حرج هذه المسألة.
2. كسر الصليب وقتل الخنزير: فيُبطل أكل الخنزير الذي يستبيحه النصار .
نعود إلى أحاديث الرسول ﷺ عن الحرب بالسيف والخيل، فالبعض فسّر أنه عندما نصل إلى زمن الدجال، وأن عيسى عليه السلام يقتله بالحربة، فإن ذلك يعني أن التكنولوجيا ستندثر أو تُباد. فهل أشاركهم هذا الرأي؟ لا، لا أشاركه.
النبي ﷺ عندما يستخدم مصطلح "السيف" أو "الخيول"، مثل قوله: "تربطون خيولكم بنخيلها"، أو أن السيد المسيح يضرب بالحربة، فأنا أظن أن ذلك من قبيل الاستخدام المجازي، أي أدوات القتال. فالسيف ليس السيف تحديدًا، وإنما هو رمز لكل ما يُقاتل به، والخيل ليست الخيل تحديدًا، وإنما هي رمز لكل ما يُركب في القتال، كما في قول الله عز وجل:
﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾
فهل المقصود بالخيل خصوصها؟ نعم ولا. لا يختلف رجلان على أن "الخيل" هنا تشمل كل ما يُقاتل عليه، كل أدوات القتال، من دبابة وغيرها.
بل أتصور أنه عندما ينزل المسيح ويواجه الدجال، ستكون تلك المرحلة في قمة التكنولوجيا، ويستخدم الدجال في الإبهار الذي سيقوم به شيئين:
1. تطور تكنولوجي ضخم تقوم عليه منظومة الدجال من الآن ومن قبل الآن.
2. استعمال السحر الشيطاني الذي يُخيّل للناس ما ليس حقيقة.
وعندما ترى السيد المسيح وهو يلحق الدجال لقتله، فيُقال: "يضع قدمه موضع بصره"، كما في الحديث، ألا يُقرب هذا إلى أن هناك تكنولوجيا ضخمة جدًا تُستخدم في ذلك الوقت؟ خاصة أن الدجال يجوب الأرض كلها في أربعين يومًا.
فهل يمكن أن يطوف الدجال الأرض في أربعين يومًا بدون تكنولوجيا؟أو يتنقل في سنة وشهر وأسبوع، باعتبار أن أول يوم مدته الزمنية سنة.
هل يمكن لجيش أن يجتاح الأرض قرية قرية في سنة وشهرين وسبعة وثلاثين يومًا؟ لا، ليس ممكنًا.
فالمسألة إذًا مرتبطة بوجود تكنولوجيا هائلة، ساعات تمكّنه من الانتقال، تمكّنه من التخييل لأعين الناس، تمكّنه من إنزال المطر، تمكّنه من إخراج الكنوز من الأرض.
هناك تكنولوجيا يعملون عليها، تضع مرايا في الفضاء في مدارات معينة، يمكنها أن تعكس ضوء الشمس، فالمكان الذي فيه ظلمة يصبح نهارًا، وإذا وُجهت بقوة معينة، يمكن أن تحرق الزرع.
فأنا هنا تذكرت حديث الرسول ﷺ، حين قال إنه يذهب إلى قرية، فيأمرهم، فإذا رفضوا أن يؤمنوا به، يهلك زرعهم.
يمكن بالفعل أن يستخدموا بعض هذه التكنولوجيا؟ لا شك في ذلك.
لا شك أن له جيشًا من الإنس مزودين بالتكنولوجيا، ومن الجن مزودين بالسحر.
يمكن أن تكون هذه التكنولوجيا يعملون عليها الآن ويخفونها، ويريدون إظهارها لاحقًا ليفتنوا الناس؟ لا شك في ذلك.
ويأتي ليقول للإنسان: "أحيي لك أباك وأمك"، فتتمثل الشياطين في صورة أبيه وأمه، ويقولان له: "هذا إلهك، فآمن به".
بعض التقارير تقول إنه يمكن أن يصنعوا لك روبوتًا على شكل شخص كان يعيش معك، بملامح بشرية انسيابية، ويتكلم بنفس صوت والدك أو والدتك.
فهذه هي اللعبة، هذه هي المساحة، التماس الموجود الآن في مشروع الدجال بين التكنولوجيا والسحر.
لكن، ما المفروض؟ المفروض أنه في ذلك الوقت، بما أن هناك تقدمًا تكنولوجيًا عاليًا، يعرف الناس منطقيًا أنه يستخدم هذه التكنولوجيا، فلا يؤمنون به.
لكن، مع الأسف الشديد عندما يظهر الدجال، سيظهر كما قال النبي ﷺ، وهو لا يُذكر على منابر المسلمين، وسيتم التعامل معه في البداية ضمن إطار من الوعي المحدود، ثم تستفحل الفتنة، وتدخل مرحلة من العمى الكامل. ففي بداية فتنة الدجال، يُذكر أنه لا أحد يقول: "هذا هو الدجال".
مع التقدم التكنولوجي المتوقع، ان البشرية حين ترى هذه الخوارق تربطها فورًا بأنها نتيجة لمشروع الإبهار التكنولوجي، أو الإنجازات العلمية الخارقة غير المسبوقة، أو صورة العالم المكتشف العبقري، أو الزعيم السياسي الكبير الذي جاء ليصلح فساد العالم وينقذ البشرية؟
هذه هي الصورة التي سيُقدَّم بها الدجال، ولن يُقدَّم على أنه المسيح الدجال، بالتأكيد، وإلا لما كانت فتنة.
تخيل مثلًا ما ورد في الأحاديث، أن المجاهدين من المسلمين، حين يخرج أحدهم للصلاة، يغلق باب بيته بالمفتاح خوفًا من أن تلحق زوجته بالدجال، لأنها ستبدأ تقول له: " دعنا نذهب إلى الدجال، أنت على حق، وهذا هو المسيح الدجال، فلنذهب إليه، فهو يعطي من يذهب إليه سيارة، وأجهزة حديثة مذهلة في البيت، غسالة لا نعلم كيف تعمل، وثلاجة كذا، وغسالة أطباق كذا، وميكروويف... أشياء أكثر من ذلك".
هذه أشياء نعرفها الآن، كنوز من الذهب والفضة، وتكنولوجيا غير ذلك، وكل امرأة تأخذ حقيبة مجوهرات فيها كيلوَين من الذهب.
هل تريدني أن أبقى في البيت وأترك كيلوَين من الذهب، وجارتي تذهب وتأخذ وتبدأ تعايرني؟
فيخاف عليها، ويغلق عليها الباب بالمفتاح، ليذهب يصلي ويعود بسرعة قبل أن تهرب إلى الدجال.
فالمسألة ستكون بهذا الحجم من الخطورة.
ما أتى على الأرض فتنة قط شرٌّ من فتنة الدجال، يقول النبي ﷺ:
"فإن يخرج فيكم وأنا بينكم، فأنا حجيجكم، وإن يخرج فيكم بعدي، فكل امرئ حجيج نفسه، والله مولاي على كل مسلم."
فالمسألة إذًا مرتبطة بفتنة عظيمة، يقتله المسيح عليه السلام، وتنتهي، وتسقط هذه الفتنة بالضربة القاضية كما يُقال.
ويدخل الدجال كل قرية ومدينة، إلا ثلاثًا: مكة، والمدينة، وبيت المقدس.
مكة والمدينة تحرسهما الملائكة على أنقابهما، تصد وترد، فلا يستطيع الدخول.
أما بيت المقدس، فعندما يحاصرها، يظهر السيد المسيح، فيقتله عند باب اللد في أرض فلسطين.
فهذه هي المراحل أو الأحداث التي ستقع في حياة السيد الإمام المهدي، وبعدها يعيش المهدي سبع سنين، ويعيش المسيح أربعين سنة.
فإن الدجال لا يملك خوارق أعطاها له رب العالمين، وإنما يستخدم التقدم التكنولوجي الهائل، الذي ربما يُعمل عليه منذ الآن، ليبهر به الناس، إضافة إلى عمل الشياطين والسحر.
هو ليس مزودًا بخوارق، إلا ما تصنعه شياطين الجن من السحر، وشياطين الإنس من الإبهار التكنولوجي فقط.
وكلها أمور وهمية، سرعان ما تنكشف.
يعني مثلًا، من يمسك الذهب... اليوم يضعون لك نظارات ترى بها نفسك في عالم افتراضي حقيقي، فما الذي يمنعهم من أن يصنعوا تكنولوجيا تجعلك ترى ذلك دون نظارات؟
النبي ﷺ رمز إليه رمزًا جميلًا، فقال:
"جنته من دخلها وجدها نارًا"
يعني، لن تجد فيها حقيقة، فالمسألة لها وجهٌ حقيقي، إنها خدعة بصرية، خدعة ودجل.
يعني، دجال: كذّاب، وكبير الدجالين في التاريخ البشري، أي أن كل وعوده زائفة، وكل الأشياء التي يفعلها لا حقيقة لها.
والحديث يقول،أنه إذا رأى أحدكم النهر الذي فيه نار، فليغمض عينيه ويشرب، فهي ماء بارد.
فالدجال هو مشروع في الكذب والسحر والزيف الكامل، وكل من سيتبعونه في البداية سينبهرون، نعم، لكن بعد وقت قصير جدًا، سيكتشفون أنهم اشتروا وهمًا كبيرًا، وباعوا أنفسهم له.
وقلة من المؤمنين هم الذين سيصمدون أمام فتنة الدجال.
تخيل أنه لن يدخل قرية إلا ويتبعه أكثر أهلها،
تخيل، فتنة الدجال هي الفتنة الرابعة في حديث ابن عمر، التي تكون إيذانًا بانتهاء الخلافة الراشدة، ولا يبقى بعدها إلا سنوات من عمر البشرية.
فالسيد المسيح يعيش أربعين سنة، وهذه آخر عهود الإسلام في الأرض، ثم بعد موت السيد المسيح، يبعث الله ريحًا تقبض كل نفس مؤمنة، فلا يبقى على الأرض إلا شرار الخلق، لا يُرفع فيهم أذان، ولا تُقام فيهم صلاة، وعليهم تقوم الساعة.
