حديث ابن حوالة وابن عباس مفاتيح زمن المهدي وعلامات الساعة



بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين.

إخوتي وأحبتي في الله، بعد الحديث السابق الذي تناولنا فيه رواية ابن حوالة، والتي تُبيّن لنا الزمن الذي يظهر فيه المهدي عليه السلام، أو "مهدي الحرم"، الذي سيعايش الأحداث العظام، وهي علامات الساعة الكبرى، أود أن أتوقف قليلاً عند تعليق وردني، لما فيه من أهمية.


فكثير من الإخوة يرددون نفس الكلام، ولا أعلم السبب، لكن ربما يعود ذلك إلى ضعف التركيز في بعض التفاصيل الدقيقة. فحين يحدّثنا النبي ﷺ بحديث، فإن الواجب علينا أن نتدبره بعناية، ونتأمل في جزئياته الصغيرة والمهمة.


على سبيل المثال، ذكر النبي ﷺ الفتن التي ستقع في آخر الزمان، وقال إنها كثيرة، لكن أعظمها فتنة تُسمى "فتنة الأحلاس"، ثم "فتنة السراء"، ثم "فتنة الدهيماء". والواضح من الحديث أن هذه الفتن تأتي متتابعة، واحدة تلو الأخرى، ولهذا قال: "ثم فتنة الأحلاس، ثم فتنة السراء، ثم فتنة الدهيماء".


ويكون بين فتنة السراء والدهيماء اتفاق الناس على رجل وصفه النبي ﷺ بأنه "كَوَرِكٍ على ضِلْع"، أي أنه يحكم في زمن تسوده الفوضى والفتن، فلا يكون له سلطان فعلي على الأمة، رغم كونه حاكمًا.


وبما أننا تناولنا مسألة المهدي، وقلنا إن حديث ابن حوالة يُبيّن زمن ظهوره الحقيقي، فقد ورد فيه قول النبي ﷺ: "فقد دنت"، أي اقتربت الزلازل والبلابل والأمور العظام. وهذه العبارة تدل على فترة زمنية غير محددة، قد تكون ثلاثين أو أربعين أو خمسين سنة، والله أعلم.


وقد علّق أحد الإخوة، عبد الله، قائلاً إن الكلام متناقض، لأن الحديث يقول: "إذا رأيت الخلافة، فقد دنت الأمور العظام". وهذا خطأ في الفهم، فالنبي ﷺ لم يقل "فقد دنت الأمور العظام" فقط، بل قال: "فقد دنت الزلازل والبلابل والأمور العظام"، والواو هنا تفيد التتابع أو التقارب الزمني، أي أن هذه الأحداث تقع في زمن واحد أو متقارب.


ومن بين الأمور العظام التي وردت في الأحاديث: الخسوف، المسخ، القذف، خروج الدجال، نزول عيسى عليه السلام، خروج يأجوج ومأجوج، والملحمة الثانية بين المسلمين واليهود، حيث يتكلم الشجر والحجر ويقول: "يا مسلم، هذا يهودي خلفي، فاقتله".


ويجب التنبيه إلى أن الملحمة التي تسبق فتح بيت المقدس وقيام الخلافة على منهاج النبوة ليست هي الملحمة التي يتكلم فيها الشجر والحجر، بل تلك تقع لاحقًا، حين يعود اليهود إلى فلسطين مع المسيح الدجال، فتقع الملحمة الثانية في زمن المهدي الأخير.


فالقول بأن "إذا رأيت الخلافة، فقد دنت الأمور العظام" غير دقيق، والصواب أن نقول: "إذا رأيت الخلافة، فقد دنت الزلازل والبلابل والأمور العظام"، كما ورد في الحديث الشريف.


وهذا يدل على أن المهدي لا يُقيم الخلافة بنفسه، بل يظهر بعد مرحلة من الخلفاء الذين يتوالون، ثم تدخل الأمة في مرحلة الزلازل والبلابل، وهي الفتن والهموم، وبعدها يظهر المهدي ويعايش الأمور العظام، أي علامات الساعة الكبرى.


أما القول بأننا نعيش الآن زمن الزلازل، فهذا لا يعني أنها الزلازل المقصودة في حديث ابن حوالة، لأن الحديث يربطها بمرحلة ما بعد الخلافة، والخلافة لم تُقم بعد. فالزلازل المذكورة في الحديث ستكون متتابعة وبشكل غير معتاد، زلزال يتبعه آخر، وهكذا.


لذلك، لا يصح أن نقول إننا نعيش هذه المرحلة الآن، لأن الخلافة لم تُقم بعد. ويجب أن نرجع إلى كلام النبي ﷺ كما هو، ونتدبره بعقولنا، كما أمرنا، لنميز بين الحق والباطل، ونتجنب الوقوع في الفتن.


وإذا سمعت من أحدهم بشارة بخروج المهدي وفتح بيت المقدس، فاسأله عن حديث ابن حوالة، فهو حديث صحيح وثابت عن النبي ﷺ، وليس بضعيف أو موضوع. وقل له: تحدث عن هذا الحديث، فلم أجد حتى الآن من يتكلم فيه، لأنه يخالف الفكر الذي يُروّج للناس.


فبما أن هناك فتنة بعد الخلافة، فلن يخرج المهدي إلا بعد وقوع هذه الفتنة، وهي فتنة البلابل، وعندها يخرج المهدي ليملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما مُلئت ظلمًا وجورًا.


فيما يتعلق ببعض المسائل، ورد حديث عن ابن عباس رضي الله عنه، فانظروا إلى هذا الحديث الذي ذُكر فيه بعض الخلفاء، وهو حديث صحيح عن ابن عباس قال: "منا أهل البيت أربعة: السفاح، والمنذر، والمنصور، والمهدي". وهذا السفاح ممن ورد ذكره في بعض الأحاديث الضعيفة في كتاب نعيم بن حماد، في سياق الحديث عن الخلفاء الذين يكونون في بيت المقدس.


فقال ابن عباس: "منا أهل البيت أربعة: السفاح، والمنذر، والمنصور"، والذي قلنا إنه القحطاني، والمنذر هذا هو المهدي الذي يكون ثاني خليفة في بيت المقدس، والذي يحثو المال حثيًا ولا يعدّه، أي يعطي المال الكثير دون أن يتعاظم في نفسه، ويأخذ القليل من حقه، كأنه على سيرة عمر بن الخطاب أو عمر بن عبد العزيز.



ففي زمن هذا المنذر، المهدي المنذر الذي يحثو المال حثيًا ولا يعدّه، يكثر المال ويعيش الناس في رخاء ونعيم، ويأتي بعده مباشرة المنصور، الذي هو القحطاني. وقال: "ومنا المهدي". فسأله مجاهد في هذا الحديث، قال له: "بيّن لي هؤلاء الأربعة". فقال: "أما السفاح"، والراجح أن هذا السفاح هو الجابر، لأن هناك ذكرًا لسفاح الدم وسفاح المال.


فقال: "أما السفاح، فربما قتل أنصاره وعفا عن عدوه"، وأعتقد أن المقصود بالسفاح هنا هو سفاح الدم، الذي قال عنه ابن عباس إنه ربما قتل أنصاره وعفا عن عدوه، وهذا قمة في العدل، لأن إن كان من أنصاره من هم جواسيس وخونة، يحكم عليهم بالقتل، وإن كان أعداؤه على حق، يعفو عن عدوه، وهذا من عدالة هذا الخليفة الذي سيكون في بيت المقدس.


وقال: "وأما المنذر، فإنه يعطي المال الكثير ولا يتعاظم في نفسه، ويمسك القليل من حقه"، فهذا هو المهدي الذي يحثو المال حثيًا ولا يعدّه، وكما قال ابن عباس: "يعطي المال صحاحًا، ولا يتعاظم في نفسه، ويأخذ القليل من حقه"، فهذا خليفة يكون ثاني خليفة في بيت المقدس، سماه النبي ﷺ بالمهدي في حديث ذكرناه في الحلقة السابقة، سماه بالمنذر، الذي يُنذر الشيء المفرّخ، كأنه يعطي الطعام للفراخ دائمًا، أي يعطي العطاء بسخاء.


فهذا المنذر يكثر في زمانه المال، فإنه قال: "يعطي المال الكثير ولا يتعاظم في نفسه، ويمسك القليل من حقه". وقال: "وأما المنصور"، لو تذكرون الحديث السابق الذي ذكرناه بخصوص المنصور، قال: "وأما المنصور، فإنه يُعطى النصر على عدوه شطر ما كان يُعطى رسول الله ﷺ، يُرعب منه عدوه على مسيرة شهرين"، أي أن النبي ﷺ كان يُرعب منه عدوه على مسيرة شهرين، والمنصور يُرعب عدوه منه على مسيرة شهر.


فالواضح هنا من خلال حديث ابن عباس أن المنصور هذا يكون في زمانه الحروب، فهو رجل حرب، ولهذا ذكر النبي ﷺ في حديث ورد في كتاب نعيم بن حماد: "المنصور مهدي يبتليه الله سبحانه وتعالى بالملاحم وقتال الروم عشرين سنة، يموت شهيدًا هو وألفان معه، كل صاحب راية".


وهذا الحديث الصحيح يتفق مع الحديث الضعيف الذي ذكرناه في الموضوع السابق، فهنا يُبيّن لنا أن المنصور شخصية تكون في زمانها الحروب، خاصة ضد الروم، والملحمة التي ستكون بين المسلمين والروم في الشام، عندما يموت المهدي الذي هو ثاني خليفة، والذي سُمي بالمنذر والمفرّخ، والسفاح الذي يسفح المال، يكون من بعده هذا المنصور، وتكون على يده الملاحم، ويُرعب عدوه على مسيرة شهر.


وفي الحديث الآخر، قال: "المنصور مهدي يبتليه الله سبحانه وتعالى بقتال الروم والملاحم عشرين سنة، ويموت شهيدًا هو وألفان معه، كل صاحب راية". إذاً، هذا المنصور الذي هو القحطاني، هو رجل حرب وملاحم، يبتليه الله سبحانه وتعالى بالملاحم، ويكون في زمانه زمن الملاحم.


فهناك توافق بين هذا الحديث الصحيح والحديث الضعيف الذي ذكرناه، وبقليل من التركيز نفهم الأمور. وفي مواصلة الحديث، قال: "عند المنصور يُرعب عدوه على مسيرة شهر". وقال: "وأما المهدي"، انظروا، "وأما المهدي الذي يملأ الأرض عدلًا كما مُلئت جورًا، وتأمن البهائم والسباع، وتُلقي الأرض أفلاذ كبدها". قال: "قلت: وما أفلاذ كبدها؟" قال: "أمثال الأسطوانة من الذهب والفضة".


فهذا هو المهدي، الذي هو محمد بن عبد الله، مهدي الحرم، الذي سيُعاصر الزلازل والبلابل، أو يكون بعد الزلازل والبلابل، ويُعاصر الأمور العظام، التي هي علامات الساعة الكبرى، ومن بينها الملحمة التي تكون مع اليهود، الملحمة الثانية التي سيتكلم فيها الشجر والحجر: "يا مسلم، هذا يهودي ورائي، تعال فاقتله"، عند محاولة اليهود العودة إلى بيت المقدس مع المسيح الدجال.


وهذا هو المهدي الذي ينزل في زمانه عيسى عليه السلام، وعيسى يقتل الدجال، والمسلمون يقتلون اليهود، حتى يتكلم الشجر والحجر، وتأمن البهائم والسباع، وتُلقي الأرض أفلاذ كبدها. فعندما سُئل مجاهد ابن عباس، قال: "وما أفلاذ كبدها؟" قال: "أمثال الأسطوانة من الذهب والفضة"، أي يكثر في زمانه الرخاء والنعيم.


فانظروا إلى هذا، هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخرجه الشيخان. فالواضح من خلال هذا الحديث أن من بين الخلفاء الذين يكونون في بيت المقدس أربعة، قال: "منا السفاح"، والمقصود بالسفاح هو سفاح الدم، الذي هو الجابر، الذي يجبر الله به أمة محمد ﷺ، بالجبر على أن يُوحّد هذه الأمة، ويوحّد صفوفها، ويُعلن قيام خلافة على منهاج النبوة، وتعود الأمة إلى ما كانت عليه، ويوحّد صفوف المسلمين.


فقال: "منا السفاح، ومنا المنذر"، وهو نفسه المهدي الذي يحثو المال حثيًا ولا يعدّه، الذي يعطي المال صحاحًا، الذي يعطي المال الكثير ولا يتعاظم في نفسه، كما قال ابن عباس، ويأخذ القليل من حقه، فهذا يكون ثاني خليفة في بيت المقدس.


ثم بعده يكون المنصور، الذي يبتليه الله سبحانه وتعالى بالملاحم، والملاحم مع الروم كثيرة، من بينها الملحمة التي تكون بالشام بين المسلمين والروم، وتكون ملحمة عظيمة، فيها تحالف إسلامي ضد تحالف الروم، وهذا يكون بعد الصلح الذي يكون في زمن الخليفة المنذر.


وهناك ملحمة أخرى كذلك مع الروم في زمن المهدي الأخير، التي تكون بسببها فتح رومية، لأن من بشارات النبي ﷺ أنهم سيغزون جزيرة العرب، أهل المغرب سيغزون جزيرة العرب، فيفتحها الله، ثم فارس، فيفتحها الله، ثم رومية، وفتح رومية يكون في زمن ما بعد الزلازل والبلابل، أي في زمن المهدي الأخير محمد بن عبد الله، يكون فتح رومية، ومباشرة بعدها يكون خروج الدجال.


فتح الجزيرة، وفتح فارس، وفتح رومية، ثم خروج الدجال، فخروج الدجال يكون بعد فتح رومية، لأن الدجال يخرج أصلًا من غضبة يغضبها. فهذه الأمور تحدث بالترتيب كما ذكر النبي ﷺ، والواجب أن نأخذ الحديث بتفاصيله كما ورد عن النبي ﷺ، وليس كما قال الأخ.


هناك حديث آخر في كتاب نعيم بن حماد، وهو حديث ضعيف عن أبي سعيد، قال: "سمعت رسول الله ﷺ يقول: منا القائم الذي يقوم بأمر الأمة"، الذي هو الجابر، والمقصود به الجابر، الذي يُقيم أمر هذه الأمة، أو يجبر هذه الأمة بالجبر، يُوحّد صفوفها، ويُقيم خلافة على منهاج النبوة.


وقال: "منا كذلك السفاح، ومنا المنصور، ومنا المنذر"، السفاح المقصود به هو المفرّخ، المفرّج، المنذر كما ذكرنا سابقًا. أي من القائم، ومن المنصور، ومن السفاح، ومنا المهدي، الذي يكون آخر خليفة في بيت المقدس، والذي هو مهدي الحرم، الذي سيُعاصر خروج الدجال ونزول عيسى عليه السلام، ويُعاصر الأمور العظام.


لهذا أردت أن أُبيّن هذه المسألة، لأنه إذا أردت أن تأخذ بحديث، فالواجب أن تأخذ بكامل الحديث كما ورد عن النبي ﷺ، لا أن تقول لي: "إذا رأيت الخلافة فقد دنت الأمور العظام"، فالنبي ﷺ لم يقل هذا الكلام، بل قال:
"إذا رأيت الخلافة، فقد دنت الزلازل والبلابل والأمور العظام."

فالزلازل من علامات الساعة، والبلابل هي الفتن والهموم، والأمور العظام هي علامات الساعة الكبرى. وكل هذه الأمور الثلاثة جاءت في الحديث أنها ستكون بعد خلافة تكون على منهاج النبوة، وليس قبلها.


لذلك، لا يصح أن تقول لي إن المهدي سيخرج في وقت تكون فيه الزلازل، لأننا نعيش الزلازل في زماننا، نعم، الزلازل كثرت في زماننا، لكن الخلافة لم تُقم بعد. فالزلازل المقصودة في حديث ابن حوالة ستكون بعد خلافة على منهاج النبوة، وليس قبلها.

لهذا، الواجب علينا أن نأخذ الأحاديث كما وردت عن النبي ﷺ، ونتدبرها كما أمرنا، لأن الله أعطى الناس عقولًا ليميزوا بين الحق والباطل. فأنت تسمع من شخص كلامًا، ثم تسمع من آخر كلامًا مختلفًا، فعليك أن تستخدم عقلك لتفهم من هو على الحق ومن هو على الباطل، وحتى تنجو من الفتن.


فالزلازل التي وردت في الحديث جاءت بعد الخلافة، فلا يمكنك أن تقول إننا نعيشها الآن، لأن النبي ﷺ قال:
"إذا أُقيمت خلافة على منهاج النبوة ببيت المقدس، فقد دنت الزلازل والبلابل والأمور العظام."

فالحديث واضح، ولا أعلم لماذا يتلاعب البعض بأحاديث النبي ﷺ. والأكيد أنه إذا كنت تسمع من شخص يبشّرك بخروج المهدي، وأنه سيفتح بيت المقدس ويُقيم خلافة على منهاج النبوة، فاسأله أن يُنشئ لك فيديو يتحدث فيه عن حديث ابن حوالة، حديث صحيح وارد عن النبي ﷺ، حديث ثابت، ليس بضعيف ولا موضوع، بل هو حديث صحيح.


قل له: تحدث بحديث ابن حوالة. لم أجد حتى الآن من يتحدث بهذا الحديث، لماذا؟ لأنه يُعارض الفكر الذي يُطرحه على الناس. فبما أن هناك فتنة بعد الخلافة، إذًا لن يخرج المهدي حتى تقع هذه الفتنة، وهي فتنة البلابل. وعندما تقع هذه الفتنة، يخرج المهدي فيملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما مُلئت ظلمًا وجورًا.


نحن الآن قرابة نصف ساعة، إخوتي، نكتفي بهذا القدر. وإذا كانت هناك أي تساؤلات، فلا تنسوا أن تضعوها في قسم التعليقات. كما لا تنسوا دعم القناة، فهناك مشاهدات كثيرة، لكن الإعجابات قليلة. والإعجاب والتعليق يُساهمان في نشر هذا الفيديو ليستفيد منه غيركم.
فإذا رأيت أنك استفدت من هذا الفيديو، فلا تبخل علينا بإعجاب وتعليق، حتى ينتشر ويصل إلى من يحتاجه.

وجزاكم الله عنا كل خير، وإلى الملتقى في موضوع آخر.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.