بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين.
إخوتي، أحبتي في الله، تحدثنا في موضوعين سابقين عن زمن خروج المهدي، متى يكون خروجه، وبيّنا ذلك بذكر أحاديث صحيحة، ولم نذكر أحاديث ضعيفة، لأن البعض يحتج بهذه الأحاديث على أنها ضعيفة، والمعلوم أن ليس كل حديث ضعيف لم يقله النبي عليه الصلاة والسلام، خاصة إذا كان يصححه الواقع أو يوافق ما جاء في الأحاديث الصحيحة.
وقلنا إن زمن المهدي يكون بعد خلافة تكون على منهاج النبوة، وليس قبل خلافة كما يزعم البعض أو المدّعون الذين ربما يعتقدون أنفسهم أنهم يمكن أن يكونوا هم المهدي أو المقصود بهم المهدي المبشّر. وكم من مدّعٍ لهذه المهديّة.
وبيّنا أن هناك حديثًا صحيحًا يوضح أن هناك ثلاث أمور يجب أن تحدث قبل خروج المهدي، فإذا حدثت نستطيع أن نقول: هذا هو زمن المهدي. وهذه الأمور الثلاثة ذُكرت في حديث ابن حوالة، وهناك حديث آخر كذلك يبيّن ويوافق هذا الأمر.
وهذه الأمور الثلاثة هي:
1. أن يكون ذلك الزمن زمن الزلازل، أي كثرة الزلازل، وهي علامة من علامات الساعة الصغرى، وكثرتها تعني أن الأمر غير طبيعي، ليس كما يحدث الآن أو كما حدث سابقًا، بل تكون هناك زلازل متفاوته، فالمقصود هنا زلازل غير طبيعية، غير اعتيادية، لم يعتد عليها الناس من حيث القوة والكثرة.
2. فتنة شديدة تكون في هذه الأمة.
3. أن يوافق خروج المهدي بداية علامات الساعة الكبرى.
وكل هذا بيّنه لنا حديث النبي عليه الصلاة والسلام، وهو حديث ابن حوالة، عندما قال:
"يا ابن حوالة، إذا رأيت الخلاف قد نزلت الأرض المقدسة، فقد دنت الزلازل والبلابل والأمور العظام."
وهذه الثلاثة اجتمعت في حديث واحد، وعلاقة المهدي بالزلازل هي علاقة مؤكدة، حتى أن هناك حديثًا آخر يقول فيه النبي عليه الصلاة والسلام:
"يخرج المهدي على اختلاف من الناس وزلازل."
فهذا الحديث ذكر أمرين: يخرج المهدي على اختلاف من الناس، أي فتنة شديدة تكون في هذه الأمة، وزلازل. فالمهدي معلوم أن خروجه يكون بعد كثرة الزلازل في هذه الأمة، ويكون بعد اختلاف يكون فيها.
وذكرنا أن هناك حديثًا آخر يقول عن النبي عليه الصلاة والسلام:
"يكون اختلاف عند موت خليفة."
ودائمًا نؤكد أنه إذا قال النبي عليه الصلاة والسلام "خليفة"، فهذا يعني أنه خليفة. وهناك الكثير من الناس يعلّقون في قسم التعليقات ويقولون: الخليفة هو حاكم. فهناك فرق بين الخليفة والملك، كما هو الفرق بين السماء والأرض، فهناك اختلاف شاسع وكبير.
فوالله لو كان المقصود بهذا الخليفة أنه ملك، أو خليفة منطقة معينة أو بلد معين، لقال النبي عليه الصلاة والسلام "ملك"، ولم يقل "خليفة".
والنبي عليه الصلاة والسلام قال: "الخلافة بعدي ثلاثون سنة."لم يقل الملك بعد وهذا لحرسه على المسميات.
انتهى الأمر، لا يأتي أحد ويقول لك إن محمد بن سلمان خليفة، أو أبوه سلمان هو خليفة، وخليفة على بلده وليس خليفة على الأمة.
فهو ليس خليفة... لا على المغرب، ولا على الجزائر، ولا على الأردن، ولا على سوريا، هو ملك من الملوك الجبابرة، سماهم النبي عليه الصلاة والسلام بأنهم ملوك جبابرة. وإن كان يعتبر سلمان، يعني الإخوة السعوديين، أنه خليفة، فهو خليفة على السعودية. أما ذكر النبي عليه الصلاة والسلام لاسم "خليفة"، فهو خليفة المسلمين، وهذا الخليفة يأتي عن طريق الشورى، لا عن طريق الجبر والطغيان.
فهؤلاء الذين يسعون وراء الحكم لا يسمّون خلفاء بأي حال من الأحوال. حتى أن هناك علماء أفاضل في زمن كان فيه ملكًا عاضًا، كما ذكر النبي عليه الصلاة والسلام:
"بعد الخلافة ملكًا عاضًا."
ففي زمن الملك العاض، كان هناك علماء أجلاء، وكان الحاكم يفرض عليهم أن يقولوا "خليفة"، مع أنه ملك، سماه النبي عليه الصلاة والسلام "ملك"، لكن كان يفرض عليهم مقولة "خليفة". فهذه كانت مجرد مقولة.
وعندما نقول "الخلافة العثمانية"، هذا لا يعني بالضرورة أنها خلافة كما سماها النبي عليه الصلاة والسلام، لا، هي ليست خلافة، بل هي ملكًا عاضًا، الملك العضوض. فالملك دائمًا تجده يسعى وراء الملك، هو من يطلب الملك، أما الخليفة فالخلافة تأتيه، هي من تأتيه، الملك هو الذي يأتيه.
الخليفة يمكن أن تسميه خليفة أو ملكًا مثلًا، لكن الملك لا يمكن أن تسميه خليفة. فالخليفة يأتي عن طريق الشورى، عن طريق توافق المسلمين، عندما قال النبي عليه الصلاة والسلام:
"يصطلحون على رجل كورك على ضلع."
فالاصطلاح هنا معناه كانت هناك شورى، واتفقت الأمة على رجل، فهذا يسمى خليفة. لكن الرجل الذي يسعى وراء الملك، هذا ملك وليس خليفة.
ولهذا، عند ذكر النبي عليه الصلاة والسلام قال:
"يقتتل عند كنزكم ثلاثة، كلهم ابن خليفة."
فنلاحظ أمرًا مهمًا، وأحاديث النبي دقيقة جدًا، إذا أمعنت النظر فيها تكتشف الأمور. عند ذكر النبي عليه الصلاة والسلام أن فتنة سراء تكون على يد رجل من أهل بيته، تلاحظون أن النبي عليه الصلاة والسلام سمّى هذا الرجل بكلمة "رجل"، وهذا يوافق ما قاله:
"إنما أوليائي المتقون."
فلو كان يعتبره النبي عليه الصلاة والسلام خليفة، لقال "خليفة"، لكنه قال "رجل":
"فتنة سراء دخنها من تحت قدمي رجل من أهل بيتي، يزعم أنه مني وليس مني، إنما أوليائي المتقون."
فلو كان يتقي الله في العباد، لسمّاه النبي عليه الصلاة والسلام "خليفة"، مع أنه هو خليفة من خلفاء بيت المقدس، تمر هذه الأمة خليفة أول، ثاني، ثالث، كما ذكرت بعض الأحاديث، وإن كانت ضعيفة، لكنها توافق الأحاديث الصحيحة ولا تخالفها.
وعندما جاء عند هذا الرجل، سمّاه النبي عليه الصلاة والسلام "رجل" باسم نكرة، كما ذكر في حديث استحلال بيت الله الحرام، وقال:
"يبايع لرجل بين الركن والمقام، ولن يُستحل البيت إلا أهله، فإذا استحلوه فلا تسأل عن هلكة العرب."
فهذا الرجل سوف يستحل البيت. وفي الحديث الآخر أو الرواية الأخرى، في الأثر الآخر، ذُكر أنه يعود عائد بالبيت، فيُقتل، ثم يمكث الناس برهة من دهرهم، فإن أدركتموه فلا تغزوه، فإنه جيش الخسف.
وهذا يدل على أن العائد الأول سوف يكون له غزو، وهذا الغزو يكون من الشام، يعني سوف يحدث نفس الأمر. ولهذا، سوف تكون على هذه الأمة فتنة، لهذا السبب ستكون هناك فتنة إذا ظهر هذا الرجل بين الركن والمقام في زمن بدايات الخلافة، أو مع بداية الخلافة.
سيكون هناك خليفة ببيت المقدس، تُحرر فلسطين إن شاء الله قريبًا، وتُقام هناك خلافة على منهاج النبوة، ثم بعد ذلك بفترة وجيزة، سوف يظهر رجل بين الركن والمقام في زمن تكون فيه فتنة بالجزيرة، فيفر هذا الرجل هاربًا إلى مكة، فيعتقد الناس أنه المهدي، ويبايعونه بين الركن والمقام، ويُبعث إليه بعث من الشام، من مقر الخلافة.
هذا الرجل سوف يُقتل، فمن الحديث تفهم أن هذا الرجل سوف يلجأ إلى البيت، يعني يحتمي في البيت، ولا يستحل البيت أو يحتله، فهذا الرجل لا يكون معه سلاح ولا عدة ولا عتاد ولا أي شيء، بل تُفرض عليه البيعة، ويُبايع بين الركن والمقام، كما سوف تحدث الأحداث مع المهدي الحقيقي، الذي سوف يُبايع له بين الركن والمقام، ويُبعث إليه بعث من الشام.
ولكن هذا الرجل سوف يُقتل، قال:
"ثم يمكث الناس برهة."
والبرهة هنا تُؤخذ من عمر الإنسان، مثلًا من سنة إلى ثمانين سنة، البرهة ليست محددة، وعند قوله "من دهرهم"، فهذا يعني أن البرهة متقاربة مع مدة حياة الإنسان، يعني من يشهد حادثة العائد الأول، يمكن أن يشهد حادثة العائد الثاني، وهذا يمكن أن يكون بعد سبعين سنة، لأن الإنسان يمكن أن يعيش في حياته 85 أو 90 سنة، ممكن.
لهذا، يمكن أن هذا الشخص يشهد الحادثة الأولى والحادثة الثانية، فهذا هو المقصود بهذه البرهة، وليس هي محددة بـ40 أو 50 كما يقول البعض.
فهنا نحذر الإخوة من أمر تسمية الملوك بالخلفاء، فإن سماهم النبي عليه الصلاة والسلام ملوكًا، فهم ملوك، صدق رسول الله وكذب الكاذبون. وإن سمّى النبي عليه الصلاة والسلام شخصًا بأنه خليفة، فهذا يعني بالضرورة أنه خليفة حقيقي، لا مجازًا ولا مجاملة.
إخوتي، نكتفي بهذا القدر، وإلى الملتقى في موضوع آخر بإذن الله.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
