بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين، اللهم يا ربّنا لك الحمد أولًا وآخرًا، ظاهرًا وباطنًا، علانيةً وسرًّا، وعلى كل حال.
اللهم صلِّ وسلّم وزد وبارك وعظّم على نبيّنا المصطفى، وحبيبنا المرتضى، محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، واهتدى بهداه.
من بركات النبي ﷺ وبركاته التي لا تُعدّ ولا تُحصى، أنه أخبرنا بأحداث عظيمة ستقع بعد زمانه، وهذا باب من أبواب الإعجاز الحقيقي لمن أراد أن يتأمل في عظمة هذا الدين.
لقد بشّر النبي ﷺ أصحابه بأشخاصهم، وذكر أسماءهم، فقال: "أنت يا فلان، وأنت يا فلان، ستدخلون قصور كسرى بن هرمز!"
وهذا القول، في حينه، كان أغرب من الخيال: كيف للعرب أن يدخلوا قصور كسرى، ملك الفرس، غزاةً فاتحين؟!
حين قال ذلك لعدي بن حاتم الطائي في لحظة إسلامه، قال له: "يا عدي، إن طال بك العمر، فستدخلون قصور كسرى، وتحملون كنوزه بأيديكم."
فقال عدي متعجبًا: "كسرى بن هرمز؟! كسرى الفرس؟! أهذا كلام يُصدّق؟ أم أن هناك كسرى آخر لا أعرفه؟ هل سنغزوه في دكانه؟!"
لكن عدي يقول: "فوالله، لقد كنتُ ممن دخل قصر كسرى يوم المدائن، وحملتُ كنوزه بيديّ هاتين."
وكذلك سُراقة بن مالك الجشعمي، حين رجع في الهجرة، قال له النبي ﷺ: "ارجع ولك سواري كسرى."
فقال: "يا رسول الله، اكتب لي كتابًا تؤمّنني فيه."
فكتب له النبي ﷺ كتابًا بذلك.
ومضت الأيام، وفتح المسلمون بلاد فارس، وجاء سُراقة إلى خليفة المسلمين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال له:
"يا أمير المؤمنين، أعطني سواري كسرى."
فقال عمر: "أي سواري كسرى؟!"
قال: "وعدني رسول الله ﷺ بذلك."
فبحث عمر في الغنائم، فوجد السوارين، فدفعهما إلى سُراقة، فخرج يطوف بهما في شوارع المدينة، ويقول:
"يا معشر الناس، اشهدوا أن الله عز وجل قد ألبس سُراقة سواري كسرى بوعد رسول الله ﷺ."
وفي غزوة الخندق، كما يروي الإمام أحمد، حين عرضت "الكُدية" للصحابة، نزل النبي ﷺ فضربها ثلاث ضربات بمعوله.
وفي رواية، قال سلمان الفارسي: "يا رسول الله، رأيتك ضربت هذه الصخرة، فانقدحت منها ثلاث شرارات."
فقال النبي ﷺ: "أرأيت ذلك يا سلمان؟"
قال: "نعم، والله يا رسول الله، رأيت."
قال: "أما الأولى، فبشّرتني بفتح فارس، ورأيت مدائنها تتفجّر."
وسلمان لم يذكر في روايته إلا فتح فارس، لكن النبي ﷺ بشّر أيضًا بفتح الشام واليمن.
فقال سلمان: "يا رسول الله، ادعُ الله أن يفتحها لنا، ويغنِمنا أموالهم، ويهدم بنا بنيانهم."
فقال النبي ﷺ: "وذلك لكائن."
يا لها من لحظة عظيمة، حين يدخل الإسلام إلى إمبراطورية الشر والجبروت والفساد!
الله أكبر! فما أخبر النبي ﷺ بشيء إلا وكان كما أخبر.
وأحاديث النبي ﷺ عن مستقبل الأمة شيء لا يُصدّقه عقل، مئات من الأحاديث الصحيحة، رأى المسلمون كثيرًا منها رأي العين، كما وصفها النبي ﷺ، كأنه يراها أمامه.
ويروي سيدنا "سفينة"، مولى رسول الله ﷺ، أن النبي قال يومًا وهم في سفر:
"خلافة النبوة فيكم ثلاثون سنة، ثم تكون ملكًا يؤتيه الله من يشاء."
فوعاها سفينة، وبدأ يعدّ السنوات:
خلافة أبي بكر سنتان، وعمر عشر سنوات، وعثمان اثنتا عشرة، وعلي ست سنوات إلا ستة أشهر، فكان المجموع تسعًا وعشرين سنة ونصف.
ثم جاء الحسن بن علي، فأتمّ ستة أشهر، فتمّت الثلاثون سنة.
قالوا له: "ومعاوية؟ فإن الناس يقولون إنه خليفة!"
قال: "كذبوا، ذلك أول الملوك."
من ذا الذي يجرؤ على هذا القول إلا أن يكون وحيًا يوحى؟
يقول: "الخلافة ثلاثون سنة"، فتكون كذلك، ثم يقول: "بعدها ملك عاض"، فيكون، ثم "ملك جبري"، فيكون، وتعيش الأمة في خواتيم قرن الجبرية، ويوشك أن تنعتق منه، فتدخل في خلافة راشدة على منهاج النبوة، كما وعد النبي ﷺ.
وهذا يعني أولًا: إقامة الإسلام كاملًا غير منقوص، وأن تبدع الأمة في فهمه وتنزيله كما لم تبدع من قبل، إلا في خلافة أبي بكر وعمر، ونصف خلافة عثمان، قبل أن تبدأ الفتن تأكل الأمة.
وهذه الفتن، رغم قسوتها، هي دروس عظيمة للأمة، وتجربة الخلافة الأولى، وأسباب سقوطها السريع، هي نبراس للأمة حتى لا تسقط خلافاتها القادمة سريعًا.
وقد وصف الإمام النووي رحمه الله الخلافة القادمة بأنها:
"خلافة وارثة، باقية، معمّرة في الأرض، تملأ الأرض عدلًا بعدما مُلئت جورًا."
ولم يخبرنا النبي ﷺ فقط بمحطات الأمة الكبرى، كما في حديث حذيفة، بل أخبرنا أيضًا بأحاديث تفصيلية دقيقة عن مستقبل الأمة، وهي كثيرة، لكن من الطبيعي أن نبدأ بالأحاديث الكلية، ثم نفهم التفصيلية في ضوئها.
وقد روى الإمام أحمد بسند صحيح عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه، قال:
"ذكر لنا النبي ﷺ الفتن، فأكثر من ذكرها."
وفي الحديث الصحيح عن حذيفة، أن النبي ﷺ صلى الصبح بالناس، ثم صعد المنبر، فخطبهم حتى دخل وقت الظهر، فنزل فصلى، ثم صعد وخطب حتى العصر، ثم المغرب، فما ترك شيئًا يكون في أمته إلا وذكره، حتى الفتن، وأسماء أصحابها، وأسماء آبائهم، وأماكنهم، وعددهم، نحو ثلاثمائة نفس، ظل النبي ﷺ يسردها على أصحابه يومًا كاملًا.
قال حذيفة: "فأعلمنا يومئذ، وأحفظنا."
لقد ذكر النبي ﷺ في حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه الفتن، والفتن في اصطلاح السنة النبوية تشير إلى الأحداث غير المعتادة، التي تخرج عن السياق الطبيعي للحياة.
وفي كتب السنة، هناك باب كبير يُعرف بـ"باب الفتن"، وآخر يُسمى "باب الملاحم".
أما الملاحم، فهي المعارك الكبرى التي ستقع في مستقبل الأمة، وقد ذكرها النبي ﷺ تفصيلًا، فبيّن مواقعها، وأطرافها، وموضوعاتها، ونتائجها.
والفتن، كما أسلفنا، هي الأحداث الاستثنائية التي تقطع استقامة التاريخ، وتُحدث اضطرابًا في مسار الأمة.
وقد أكثر النبي ﷺ من ذكرها، حتى إذا شعر أنه أطال في الحديث عنها، قال لأصحابه:
"انسوا ما مضى، ولا تشغلوا أنفسكم به، وركّزوا فيما سأقوله الآن."
ثم عدّد منها أربع فتن، وقال:
"إن نسيتم، فلا تنسوا هذه الأربع، فإنها نقاط فاصلة في تاريخ الأمة."
وقد أعطى لكل فتنة اسمًا وعنوانًا، وذكر خصائصها وأحداثها.
فقال: "فتنة الأحلاس"، وهي أول فتنة عظيمة تمرّ بالأمة، ووصفها بأنها "فتنة هرب وحرب"، أو "حرب وهرب".
والفرق بين "الحرب" بالضم و"الحرب" بالفتح، أن الأولى تعني اللقاء بين الجيوش، أما الثانية فهي الاحتراب الأهلي، والفوضى، وحالة من التنازع الداخلي، كحرب العصابات، والاقتتال في الشوارع.
وإذا أردنا أن نُسقط هذه الفتن الأربع على مراحل الأمة، فإن كل فتنة كبرى تفصل بين مرحلتين من مراحل عمر الأمة المباركة.
ففتنة "السرّاء" مثلًا، هي التي تنقل الأمة من الخلافة الراشدة إلى الملك العَضوض.
أما فتنة "الأحلاس"، فهي التي سبقتها، فما معناها؟ ولماذا سُمّيت بهذا الاسم؟
في معاجم اللغة، "الحلس" هو ما يُبسط في البيوت من سجاجيد وفرش.
وتقول العرب: "فلان حلس بيته"، أي قليل الخروج منه، يُلازم بيته ولا يخرج إلا للضرورة.
وفي مصر، يُقال عن مثل هذا الشخص: "راجل بيتوتي".
فما مصدر الفتنة إذًا؟
إن الصحابة، في وقت من الأوقات، لزموا أحلاس بيوتهم، أي امتنعوا عن التدخل، وتركوا ما كان ينبغي عليهم فعله، فصارت الفتنة، وتحول الأمر إلى احتراب في شوارع المدينة.
ولا أظن أن النبي ﷺ قصد بذلك إلا ما وقع عند مقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه.
فقد جاءت جماعة من الخوارج إلى المدينة، وقالوا: "نريد قتل الطاغوت عثمان!"
وكانوا شبابًا صغار السن، جلّهم دون الثلاثين، قدموا من مصر، ومن العراق (الكوفة والبصرة)، بناءً على دعايات كاذبة، وشائعات، وحرب إعلامية منظمة، استهدفت ذي النورين، الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه.
اتهموه بأنه توسّع في الحِمى، واستأثر بالأملاك، وولّى بني أمية دون غيرهم، وخصّهم بالإقطاعات، واستأثرهم دون سائر الناس.
لكن هؤلاء الشباب، لم يكن منهم من دخل الإسلام يوم أسلم عثمان، ولا من وُلد يوم تصدّق عثمان بكل ماله في ثلاثة مواضع عظيمة لنصرة رسول الله ﷺ.
فلما علم عثمان بمقدمهم، أمر بعدم التعرض لهم، وقال:
"من كان يرى أن في عنقه بيعة، وأن لي عليه سمعًا وطاعة، فليضع سيفه في غمده، وليلزم بيته، وليكن من أحلاس البيوت."
وقرر رضي الله عنه أن يواجههم وحده، وناظرهم مناظرة طويلة، حجّهم فيها، وقطع عليهم السبيل.
قال لهم: "ما المشكلة؟ وليت بني أمية؟
سمّوا لي رجلًا وليّته ولم يولّه عمر قبلي!"
فلم يجدوا، فعادوا، ثم ما لبثوا أن رجعوا مرة أخرى، وقد انضم إليهم جماعة من الأعراب، فكبرت الفتنة.
وهنا السؤال التربوي والتاريخي:
هل كان على الصحابة أن يبقوا في بيوتهم ويتركوا خليفتهم يُقتل؟
هل هذا يُقبل؟
أما سيدنا عثمان رضي الله عنه، فقد اجتهد اجتهاد الورع، الذي لا شك أنه مأجور عليه أجرًا مضاعفًا، بإذن الله.
فقال: "أنا أجود بنفسي، وأضحي بها، ولا أتحمل أن يُراق دم شاب من هؤلاء، فإن قتلوني، فالتضحية والخسارة أن يُقتل عثمان، وأنا أرضى بذلك، ثم تجتمع الأمة فتختار خليفة، كما اجتمعت بعد مقتل عمر، فاختارتني خليفة عليها."
كان ظن عثمان رضي الله عنه، أن الضرر لن يتجاوز قتله، وأن الأمة ستتدارك الأمر، وتختار خليفة جديدًا، وتمضي الأمور.
إستمع للحلقة كاملة.
يتبع...الجزء التاني من المقالة👍❤️❤️
x
